إذا تغير الماء بالنجاسة، سواء تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه؛ فإنه ينتقل من الطهورية إلى النجاسة، وسواء كان الماء قليلًا، أو كثيرًا، ما دام قد تغير.
• من نقل الإجماع: الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي -ﷺ- من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا" (٥). ونقله عنه البيهقي (٦)، والنووي (٧)، وابن حجر (٨)، وابن قاسم (٩).
ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث في سياق نقاش الخلاف في معنى حديث أبي سعيد الآتي بالمستند، قال: "مع إجماع جميعهم على أن الماء ينجس بغلبة لون النجاسة عليه أو
_________________
(١) "مراتب الإجماع" (٣٦).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٣) "مواهب الجليل" (١/ ٥٢).
(٤) رواه ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٩١)، قال: "حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه ثنا يزيد أنا سليمان عن أبي سهلة عن أبي هريرة أنه نهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد"، ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن التيمي عن أبي سهلة عن أبي هريرة، "المصنف" (١/ ٥١)، وصححه الشيخ عوامة في تحقيق "المصنف" (١/ ٣٦١).
(٥) "الأم" للشافعي (٨/ ٦١٢).
(٦) "سنن البيهقي" (١/ ٢٦٠).
(٧) "المجموع" (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٨) "فتح الباري" (١/ ٣٤٢).
(٩) "حاشية الروض" (١/ ٧٢)، (١/ ٨٩).
[ ٩٣ ]
طعمه أو ريحه" (١).
ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير، إذا وقعت فيه النجاسة، فغيرت للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، أنه نجس، ما دام كذلك" (٢). ونقله عنه ابن قدامة (٣)، والنووي (٤)، والبهوتي (٥)، والصنعاني (٦)، والشوكاني (٧).
الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر، فغلبت على طعم مائها أو ريحه أو لونه، أن ماءها قد فسد" (٨).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي حلت فيه نجاسة، فأحالت لونه أو طعمه؛ فإن شربه لغير ضرورة، والطهارة به على كل حال، لا يجوز شيء من ذلك على عظيم اختلافهم في النجاسات" (٩).
البيهقي (٤٥٨ هـ) حيث يقول: "والحديث (١٠) غير قوي، إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافًا، واللَّه أعلم" (١١). ونقله عنه النووي (١٢).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "الماء لا يخلو تغيره من أن يكون بنجاسة، أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة؛ فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر، ولا مطهر" (١٣). ونقل هذه العبارة القرطبي دون إشارة (١٤).
ويقول أيضًا: "وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقًا" (١٥).
ويقول: "وظاهر قوله ﵊: "الماء لا ينجسه شيء" (١٦)، يعني إلا
_________________
(١) "تهذيب الآثار في مسند ابن عباس" السفر الثاني (٧١٥).
(٢) "الإجماع" لابن المنذر (١٣).
(٣) "المغني" (١/ ٣٨).
(٤) "المجموع" (١/ ١٣١).
(٥) "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠)، "الروض" (١/ ٨٨) مع "الحاشية".
(٦) "سبل السلام" (١/ ٢٥).
(٧) "نيل الأوطار" (١/ ٤٥).
(٨) شرح معاني الآثار" (١/ ١٢).
(٩) "مراتب الإجماع" (٣٩).
(١٠) حديث أبي سعيد الخدري وأبي أمامة وسيأتي في المستند.
(١١) "سنن البيهقي" (١/ ٢٦٠).
(١٢) "المجموع" (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(١٣) "التمهيد" (١٩/ ١٦).
(١٤) "تفسير القرطبي" (١٣/ ٤٤) ق؛ (١٣/ ٣١).
(١٥) "التمهيد" (١٨/ ٢٣٦)، وانظر هذه المواضع أيضًا: (١٨/ ٢٣٥)، "الاستذكار" (١/ ٢١١).
(١٦) سيأتي تخريجه.
[ ٩٤ ]
ما غلب عليه وظهر فيه من النجاسة، بدليل الإجماع على ذلك" (١).
ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا" (٢).
ابن هبيرة (٥٦٠) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة؛ نجس قل أو كثر" (٣).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه أو لونه أو ريحه، أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف؛ أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة؛ فلا خلاف فيه" (٦).
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واعلم أن حديث بئر بضاعة (٧) عام مخصوص، خص منه المتغير بنجاسة؛ فإنه نجس للإجماع" (٨).
وقال بعد نقل إجماع ابن المنذر: "ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا وغيرهم، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا، قليلًا أو كثيرًا، تغير تغيرًا فاحشًا أو يسيرًا، طعمه أو لونه أو ريحه؛ فكله نجس بالإجماع" (٩). ونقله عنه ابن نجيم (١٠).
ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) حيث يقول: "الاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة؛ امتنع استعماله" (١١).
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق" (١٢).
ويقول أيضًا: "إذا وقع في الماء نجاسة فغيرته تنجس اتفاقًا" (١٣).
_________________
(١) "الاستذكار" (١/ ١٦٧).
(٢) "عارضة الأحوذي" (١/ ٢٢٣).
(٣) "الإفصاح" (١/ ١٣).
(٤) "بداية المجتهد" (١/ ٥١).
(٥) "حاشية الروض" (١/ ٨٩).
(٦) "المغني" (١/ ٣٨).
(٧) حديث أبي سعيد سيأتي في المستند.
(٨) "المجموع" (١/ ١٣١).
(٩) "المجموع" (١/ ١٦٠)، وانظر (١/ ١٦٥)، (١/ ٢١٢).
(١٠) "البحر الرائق" (١/ ٧٨).
(١١) "إحكام الإحكام" (١/ ٧١).
(١٢) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٠).
(١٣) "مختصر الفتاوى المصرية" (١/ ٧٧).
[ ٩٥ ]
ويقول أيضًا: "والماء لنجاسته سببان: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه. فالمتفق عليه: التغير بالنجاسة" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢).
الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "أن الماء الجاري، وإن كان قليلًا لا تؤثر فيه النجاسة، إلا إذا غيرته، فإنه ينجس إجماعًا" (٣).
ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيثما يقول: "وهذا لأن حقيقة الخلاف؛ إنما هو في تقدير الكثير الذي يتوقف تنجسه على تغيره، للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا به" (٤) أي بالتغير.
يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (٥). ونقل عبارته ابن نجيم (٦).
زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: "ولا ينجس الماء الكثير إلا بتغير، وإن قل التغير، بنجاسة ملاقية له، للإجماع المخصص لخبر الترمذي: "الماء طهور لا ينجسه شيء (٧) " (٨).
الحطاب (٩٥٤ هـ) حيثما يقول عن النجاسة: "إن غيرت الماء؛ ضرت باتفاق، وإن لم تغيره، فيكره استعماله مع وجود غيره" (٩).
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيثما يقول: "اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ لا تجوز الطهارة به؛ قليلًا كان الماء أو كثيرًا؛ جاريًا كان أو غير جارٍ، هكذا نقل الإجماع في كتبنا" (١٠).
الشربيني (٩٧٧ هـ) حيثما يقول شارحًا لمتن "المنهاج": " (فإن غيره) أي: غير النجس الملاقي الماء القلتين، ولو يسيرًا، حسًّا أو تقديرًا فنجس بالإجماع المخصص للخبر السابق" (١١).
_________________
(١) "الفتاوى الكبرى" (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) "حاشية الروض" (١/ ٨٩).
(٣) "طرح التثريب" (٢/ ٣٢).
(٤) "فتح القدير" (١/ ٧٧)، وانظر: (١/ ٧٠).
(٥) "فتح القدير" (١/ ٧٨).
(٦) "البحر الرائق" (١/ ٨٤).
(٧) سبق تخريجه.
(٨) "أسنى المطالب" (١/ ١٥)، وانظر: "شرح البهجة" (١/ ٣٤).
(٩) "مواهب الجليل" (١/ ٨٢).
(١٠) "البحر الرائق" (١/ ٧٨)، وانظر: (١/ ٨٣)، (١/ ٨٧)، (١/ ٨٩).
(١١) "مغني المحتاج" (١/ ١٢٤)، (١/ ١٣٠)، وانظر: "نهاية المحتاج" للرملي (١/ ٧٥)، "حاشية الجمل" (١/ ٤١).
[ ٩٦ ]
الحصكفي (١٠٨٨ هـ) حيث يقول: "وبتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح ينجس الكثير، ولو جاريًا إجماعًا" (١).
الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وإنما حكموا بعدم طهورية ما غيرت النجاسة أحد أوصافه؛ للإجماع على ذلك" (٢).
الدسوقي (١٢٣٠ هـ) حيث يقول: "أما لو علم أن المغير مما يضر؛ ضر اتفاقًا، كان الماء قليلًا أو كثيرًا" (٣).
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة؛ خرج عن الطهورية" (٤).
ويقول أيضًا: "فما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا؛ فلا يحمل الخبث، ولا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا أن يتغير أحد أوصافه؛ فنجس بالإجماع" (٥).
ويقول أيضًا: "وأما ما دون القلتين، فإن تغير؛ خرج عن الطهارة بالإجماع" (٦).
• مستند الإجماع:
١ - حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٧).
زاد أبو أمامة الباهلي -﵁- في روايته: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (٨).
• وجه الدلالة: حيث قال ﵊: "إلا ما غلب"، أي فإنه يتنجس إذا غلبت النجاسة.
ولكن الحديث ضعفه عدد من أهل العلم (٩)، واعتدوا بالإجماع، كما صرح بذلك عدد منهم، وسبقت الإشارة إلى ذلك.
_________________
(١) "الدر المختار مع شرحه رد المحتار" لابن عابدين (١/ ١٨٥).
(٢) "سبل السلام" (١/ ٢٢).
(٣) "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" للدردير (١/ ٣٥)، وانظر: (١/ ٣٧).
(٤) "نيل الأوطار" (١/ ٤٥).
(٥) "نيل الأوطار" (١/ ٤٦).
(٦) "نيل الأوطار" (١/ ٤٦).
(٧) سبق تخريجه.
(٨) "سنن ابن ماجه" كتاب الطهارة وسننها، باب الحياض، (ح ٥٢١)، (١/ ١٧٤) ونقل ابن حجر تضعيفه عن عدد من أهل العلم، "التلخيص الحبير" (١/ ١٧)، "الدراية تخريج أحاديث الهداية" (١/ ٥٢)، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (ح ١٧٦٥).
(٩) انظر: "التلخيص الحبير" (١/ ١٧)، "الدراية تخريج أحاديث الهداية" (١/ ٥٢).
[ ٩٧ ]
٢ - أن الماء إذا تغير بالنجاسة، فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، لم يصبح ماء، وانتقل إلى مسمى آخر بحسب ما غيره، فلم يجز أن يتوضأ به؛ لأنه أصبح متغيرًا بالنجاسة، وما غيرته النجاسة أصبح منها، واللَّه تعالى أعلم.
النتيجة: أن الإجماع في هذه المسألة متحقق بلا شك، فقد رأينا أن عددًا كبيرًا من العلماء صرح بهذا الإجماع، ولم يذكر لهم مخالف، واللَّه تعالى أعلم.