الماء لا يخلو حاله إذا وقعت النجاسة فيه من حالتين:
إما أن يكون قليلا فتغيره النجاسة، فيأخذ حكمها.
وإما أن يكون كثيرًا؛ فلا يخلو من حالتين:
إما أن يتغير، فيكون حكمه حكمها.
وإما أن لا يتغير، فيكون حكمه الطهارة، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع في هذه المسألة.
أما تقدير الكثرة، فقد قدرها البعض بما إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه (١)، والبعض قدرها بما زاد عن القلتين (٢)، وعلى العموم فتقدير الكثرة ليست مسألتنا.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له طعمًا أو لونًا أو ريحًا، أنه بحاله ويتطهر منه" (٣). ونقله عنه ابن قدامة (٤)، وابن قاسم (٥).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة، بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما، فإنه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته" (٦).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وفي هذا الحديث (٧) أن الماء إذا غلب على
_________________
(١) "مراتب الإجماع" (٣٦).
(٢) "المغني" (١/ ٣٦)، "البناية" (١/ ٣٧٣).
(٣) "الإجماع" (١٣).
(٤) "المغني" (١/ ٥٦).
(٥) "حاشية الروض" (١/ ٧٥).
(٦) "مراتب الإجماع" (٣٦).
(٧) حديث أم قيس بنت محصن في الطفل الذي بال في حجر النبي -ﷺ- الطاهر.
[ ٩٨ ]
النجاسات وغمرها طهرها، وكان الحكم له لا لها، ولو كان إذا اختلط بالنجاسات لحقته النجاسة ما كان طهورًا، ولا وصل به أحد إلى الطهارة، وهذا مردود بأن اللَّه ﷿ سماه طهورًا، وأجمع المسلمون على ذلك في كثيره، وإن اختلفوا في معانٍ من قليله" (١).
ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه". نقله عنه الموَّاق (٢).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر" (٣).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في حديثه عن البرك التي صنعت موردًا للحاج، يشرب منها، ويجتمع فيها ماء كثير: "فتلك لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، لا نعلم أحدًا خالف في هذا" (٤).
ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) حيث يقول: "لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير لا تؤثر فيه النجاسة" (٥). ونقله عنه العراقي (٦)، ونقل الشوكاني عبارته دون أن ينسبها إليه (٧).
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "أن هذا الحديث (٨) عام، فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر، الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر" (٩).
الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول شارحًا كلامًا للمؤلف: "يعني أن الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس، ولم يغيره؛ فإنه على طهوريته، ويعلم قدر الكثير من تحديد القليل الآتي، ثم إن هذا الكثير إن اتفقت الأمة على أنه كثير؛ فلا خلاف في طهوريته، سواء خلط بنجس أو طاهر" (١٠).
_________________
(١) "التمهيد" (٩/ ١٠٨).
(٢) "التاج والإكليل" (١/ ٧٣).
(٣) "بداية المجتهد" (١/ ٥١).
(٤) "المغني" (١/ ٥٦)، وانظر (١/ ٤٢).
(٥) "إحكام الإحكام" (١/ ٧١).
(٦) "طرح التثريب" (١/ ٣٦).
(٧) "نيل الأوطار" (١/ ٥٠)، ولا أدري هل نقلها عن العراقي أو ابن دقيق العيد.
(٨) يعني حديث النهي عن البول في الماء الراكد.
(٩) "البناية" (١/ ٣٧٣).
(١٠) "مواهب الجليل" (١/ ٥٣)، وانظر: (١/ ٧٦).
[ ٩٩ ]
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة" (١).
الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع" (٢).
محمد صديق حسن خان (١٣٠٧ هـ) حيث يقول في سياق كلامٍ له: "بعد إجماعهم على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر" (٣).
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "والمصانع الكبار لا تنجس بالاتفاق إلا بالتغير" (٤)، وهو يريد بالمصانع هنا المياه الكثيرة التي كانت موردًا للحجاج.
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى الماء طهورًا، والماء هنا مطلق، فكل ما يطلق عليه ماء فهو طاهر، حتى يتغير أحد أوصافه وينتقل مسماه، وما دام لم يتغير الماء الكثير فهو على أصله، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٥).
• وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- وصف الماء بأنه طهور بإطلاق، ثم أكد ذلك بأنه لا ينجسه شيء إلا ما غلب على أحد أوصافه فغير اسمه، وما دام أن الماء لم يتغير فهو على أصله الطاهر، واللَّه تعالى أعلم.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.