تكاد تكون رسالتي هذه في النووي ﵀، فهو يعتني بالإجماع كثيرًا في كتابه "المجموع"، وإن لم يحكِ أو ينقل إجماعًا في المسألة، فلا يخلو الأمر غالبًا من أن يفيد في المسألة بخلاف أو عدمه.
وهو عالم متبحر في الخلاف والاستدلال له، استفدت منه كثيرًا ﵀.
وقد سبق إشارة إلى منهجه في بعض المسائل، كخلاف المبتدعة، والظاهرية، وعدم جعْله نفي العلم بالخلاف إجماعًا، واعتداده بخلاف الواحد ناقضًا للإجماع، وأن إجماعاته إذا كانت في سياق الاستدلال للخلاف غالبًا ما تكون قول الجمهور.
أما عبارات النووي بنفي الخلاف؛ أو الاتفاق المجرد من قرينة العموم، فإنها مذهبية (٤)، أما إذا قيد عبارته بأنه لا خلاف بين العلماء أو الفقهاء؛ أو باتفاق العلماء، فهو يعني الإجماع (٥).
وللتدليل على الكلام السابق، فقد قال النووي: "ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه
_________________
(١) انظر مسألة: (الماء المتغير بطاهر يأخذ حكمه)، (الماء المتغير بنجاسة يأخذ حكمها).
(٢) انظر مسألة: (الطهارة بالمائعات غير الماء).
(٣) انظر مسألة: (جواز وطء الحائض والنفساء إذا طهرت واغتسلت).
(٤) وهذا هو منهج الأستاذ سعدي أبي جيب في موسوعته، فهو لا يعتمد قول النووي بنفي خلاف.
(٥) انظر مسألة: (المسح خاص بالطهارة الصغرى)، (فضل وضوء الرجل طاهر)، (طهارة بدن الجنب).
[ ٦٩ ]
قبوله -أي للتيمم- بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه" (١)، قالها بعد أن تحدث عن المذهب.
وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق" (٢)، فيدل السياق أنه يريد المذهب.
وانظر مسألة: (الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه) (٣)، حيث حكى الاتفاق في المسألة، وخالفه الجمهور.
ونفى الخلاف في المسألة في "شرح مسلم"، ثم وجدت أنه في "المجموع" ينقل الخلاف فيها، مما يؤكد أنه يقصد المذهب فقط.
فقد قال عن التثليث في غسل البدن: "فإذا استحب فيه -الوضوء- الثلاث؛ ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهذا شاذ متروك" (٤).
وظاهر من كلام النووي أنه يريد بعدم الخلاف أي في المذهب الشافعي، ويؤكد ذلك أنه لم يذكر شيئًا من ذلك عند بحثه للمسألة في "المجموع"، بل قال: "المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، . . " (٥)، ثم ذكر مسألتنا، وهذا لفظ صريح بوجود الخلاف، ثم أخذ ينقل عن فقهاء المذهب الشافعي، ولم يتطرق لغيرهم، إلا أن ابن حجر (٦)، والشوكاني (٧) لم يتنبَّها لهذا المعنى، ولم يريَا كلامه هذا، ونقلا نفي الخلاف في المسألة، واللَّه أعلم.
كما إنه نقل الإجماع في موضع، ثم حكى الخلاف في موضع آخر (٨).
_________________
(١) "المجموع" (٢/ ٢٩١)، انظر مسألة: (هبة ثمن الماء لمن لا يجدها غير لازمة).
(٢) "المجموع" (١/ ٣٧٨)، وانظر: "مغني المحتاج" (١/ ١٦٧)، وانظر مسألة: (لا أثر في الوضوء ممن أخطأ في تعيين نوع الحدث).
(٣) باب المياه.
(٤) "شرح مسلم" (٤/ ٩).
(٥) "المجموع" (٢/ ٢١٣).
(٦) "فتح الباري" (١/ ٣٦١).
(٧) "نيل الأوطار" (١/ ٣٠٥)، وانظر مسألة (استحباب غسل البدن ثلاثًا في الغسل).
(٨) في "شرح مسلم" (٥/ ١٣٣)، ثم حكى الخلاف في المسألة في "المجموع"، ونسب القول الأول للجمهور، "المجموع" (٢/ ٥٩٦)، وانظر: "أسنى المطالب" (١/ ١٨)، "تحفة المحتاج" (١/ ٣٠٣)، "مغني =
[ ٧٠ ]
وقد بحثت عددًا من المسائل التي حكى فيها النووي الاتفاق، وتركتها إثراء للبحث، ولأنني بحثتها قبل أن أتوصل إلى هذه النتيجة، وبعض هذه الاتفاقات كانت في الآداب، ولم أجد فيها مخالفًا، كما في باب الاستنجاء مثلًا.
وكذا بعض عبارات نفي الخلاف، مثل مسألة: (طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة).