إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فإن ماء البحر له طهور، وعليه حُكي إجماع العلماء.
• من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "أرأيت رجلًا بال في البحر، أينجس بوله ماء البحر؟ فإن قال: لا، قيل: ماء البحر ماء دائم، وقيل له: أفتنجس المصانع الكبار؟ فإن قال: لا، قيل: فهي ماء دائم، وإن قال: نعم، دخله عليه ماء البحر، فإن قال: وماء البحر ينجس؛ فقد خالف قول العامة مع خلافه السنة" (١).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء، أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرض عليه ولا التفت إليه" (٢).
وقال: "فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، . . وهذا إجماع من علماء الأمصار الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى" (٣).
الباجي (٤٧٤ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبد اللَّه بن عمر" (٤).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا" (٥)، وهذا يعني أنه يرى أن خلافهم غير معتبر، حيث حكم عليه بالشذوذ.
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما؛ فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم" (٦).
_________________
(١) "الأم" للشافعي (٨/ ٦١٢).
(٢) "التمهيد" (١٦/ ٢٢١).
(٣) "الاستذكار" (١/ ١٥٩).
(٤) "المنتقى شرح الموطأ" (١/ ٥٤).
(٥) "بداية المجتهد" (١/ ٥٠).
(٦) "المغني" (١/ ٢٢).
[ ١٠٤ ]
ويقول: "قد دلت هذه المسألة على أحكام، منها: إباحة الطهارة بكل ماء موصوف بهذه الصفة التي ذكرها، على أي صفة كان من أصل الخلقة، من الحرارة والبرودة، والعذوبة والملوحة، نزل من السماء، أو نبع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غدير أو غير ذلك. . . وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا أنه حكي عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، أنهما قالا في البحر: التيمم أعجب إلينا منه، هو نار، وحكاه الماوردي (١) عن سعيد بن المسيب" (٢).
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤).
الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر، ولا خلاف في جواز التطهير به، وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به؛ فقد انعقد الإجماع على خلافه" (٥).
الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "ودخل في تعريف المؤلف للمطلق - أي الماء المطلق - ما إضافته بيانية كماء المطر. . .، والبحر، فقد انعقد الإجماع على جواز التطهير به" (٦).
الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن أقوال الصحابة المخالفة: "ولا حجة في أقوال الصحابة، لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع" (٧).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو بكر، وعمر، وابن عباس -﵃- (٨)، والحنفية (٩).
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرط جواز التيمم بعدم الماء، والماء مطلق هنا، فما يطلق عليه ماء؛ يجوز التطهر به سواء كان عذبًا أو مالحًا، ومن خصص فعليه بالدليل،
_________________
(١) "الحاوي" (١/ ٣٧).
(٢) "المغني" (١/ ١٥ - ١٦).
(٣) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٩٩).
(٤) "حاشية الروض" (١/ ٧٦).
(٥) "مواهب الجليل" (١/ ٤٦).
(٦) "شرح خليل" للخرشي (١/ ٦٤).
(٧) "نيل الأوطار" (١/ ٣٠).
(٨) "سنن الترمذي" (١/ ٧٧).
(٩) "البناية شرح الهداية" للعيني (١/ ٣٥٧).
[ ١٠٥ ]
ولا دليل مخصص، فبقي الحكم على الأصل المبيح، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - حديث أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١).
• وجه الدلالة: حيث نص النبي -ﷺ- على طهورية ماء البحر، ولا عبرة بالاجتهاد بمقابل النص (٢).
• الخلاف في المسألة: روي الخلاف في هذه المسألة عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة -﵃-، وأبي العالية (٣)، وابن المسيب (٤)، ونسب الترمذي مسألة الباب إلى أكثر الفقهاء، ثم نقل القول المخالف ونسبه لبعض الصحابة (٥).
وقد أشار ابن حزم لوجود خلاف في هذه المسألة (٦).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، فمنعه من التسوية بينهما يمنع من تساوي الحكم في الطهارة بهما (٧).
وبعد طول بحث في هذه المسألة، لم أجد من قال بهذا القول غير هؤلاء الخمسة،
_________________
(١) أحمد (ح ٧٢٣٢)، (٢/ ٢٣٧)، أبو داود كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، (ح ٨٣)، (١/ ٢١)، الترمذي كتاب الطهارة، باب ما جاء في البحر أنه طهور، (ح ٦٩)، (١/ ١٠١)، النسائي كتاب المياه، باب الوضوء من ماء البحر، (ح ٣٣٢)، (١/ ١٧٦)، ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر، (ح ٣٨٦)، (١/ ١٣٦)، مالك كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، (ح ٤١)، (١/ ٢٢)، "سنن الدارمي" كتاب الطهارة، باب الوضوء من ماء البحر، (ح ٧٢٩)، (١/ ٢٠١)، وقال ابن حجر عن أحد أسانيده: "إسناده لا بأس به"، "الدراية" (١/ ٥٣)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (ح ٦٩٢٥)، "السلسلة الصحيحة" (ح ٤٨٠).
(٢) انظر: "الحاوي" (١/ ٣٧).
(٣) "سنن الترمذي" (١/ ٧٧)، "المصنف" لابن أبي شيبة (١/ ١٥٦)، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٢/ ٥٤٣)، "أحكام القرآن" لابن العربي (٣/ ٤٤٦)، "البناية شرح الهداية" للعيني (١/ ٣٥٧).
(٤) "الحاوي" (١/ ٣٧)، "المجموع" للنووي (١/ ١٣٧)، "سبل السلام" (١/ ١٨)، "المحلى" لابن حزم (١/ ٢١٠)، "الفروق" للقرافي (٢/ ١١٣).
(٥) "سنن الترمذي" (١/ ٧٧).
(٦) "مراتب الإجماع" (٣٥).
(٧) "الحاوي" (١/ ٣٧).
[ ١٠٦ ]
بل صرح ابن عبد البر بأنه لم يتابعهم أحد من علماء الأمصار (١)، مما يعني أن قولهم اندرس بعد ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في الصدر الأول بلا إشكال، ولكن هناك من قال بتحققه بعد ذلك كما سبق.
وبهذا يكون قد تحقق الإجماع بعد الخلاف، وقد اختلف الأصوليون على قولين في هذه المسألة، والصحيح أنه إجماع ظني معتبر، تحرم مخالفته ويجب العمل به على من أخذ بهذا القول (٢)، واللَّه تعالى أعلم.