الماء الجاري هو ما يقابل الدائم والراكد، فإن استعماله في الوضوء جائز، وقد قيد ابن حزم المسألة بما لم تظهر في نجاسة، وهو قيد مهم.
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "فأما الجاري؛ فاتفقوا على جواز استعماله، ما لم تظهر فيه نجاسة" (١).
• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في قول (٤)، والحنابلة في قول (٥).
• مستند الاتفاق:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
٢ - حديث أبي سعيد -﵁-، عن النبي ﵊ أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٦).
• وجه الدلالة: أن الأصل في الماء أنه طهور ما لم يتغير، هذا ما يدل عليه النصان السابقان، والماء الجاري غير المتغير ينطبق عليه هذا الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال ﵊: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٧).
• وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- فرق بين الماء الدائم والجاري، فمنع من البول في الماء الدائم لمن أراد الاغتسال، فدل بمفهوم الصفة على أن الجاري لا يتأثر (٨).
_________________
(١) "مراتب الإجماع" (٣٦).
(٢) "المبسوط" (١/ ٥٢)، "بدائع الصنائع" (١/ ٧١).
(٣) "مواهب الجليل" (١/ ٧٢).
(٤) "مغني المحتاج" (١/ ١٢٨)، "نهاية المحتاج" (١/ ٨٥)، "طرح التثريب" (٢/ ٣٢).
(٥) "الإنصاف" (١/ ٥٧).
(٦) سبق تخريجه.
(٧) البخاري كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، (ح ٦٨)، (١/ ٩٤)، مسلم كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، (ح ٢٨٢)، (١/ ٢٣٥).
(٨) "طرح التثريب" (٢/ ٣٢).
[ ١٠٨ ]
• الخلاف في المسألة: نقد ابن تيمية هذا الاتفاق؛ بأن الشافعي في الجديد (١)، وأحمد في قول له (٢) قالا: بأن الجاري كالراكد، في اعتبار القلتين؛ فينجس ما دون القلتين من الماء الجاري بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير (٣).
واستدلوا بمفهوم حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٤)، فإنه لم يفصل فيه بين الماء الجاري والراكد؛ فدل على أن حكمهما سواء ما لم يكن قلتين (٥).
النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، فيما إذا كان الماء الجاري أقل من قلتين، وأما ما زاد على ذلك؛ فلم أجد فيه خلافًا، والاتفاق فيه متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.