إذا توضأ الإنسان من غير الماء المطلق، بأن توضأ بشيء يطلق عليه ماء بالإضافة، كماء الورد أو ماء الشجر أو ماء العصفر، فإن هذا الوضوء غير جائز.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق، يقع عليه اسم الماء" (٦). ونقله عنه ابن قدامة (٧)، والنووي (٨)، وابن قاسم (٩).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (١٠).
الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات،
_________________
(١) "مغني المحتاج" (١/ ١٢٨)، "نهاية المحتاج" (١/ ٨٥)، "طرح التثريب" (٢/ ٣٢).
(٢) "الإنصاف" (١/ ٥٧)، "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢١).
(٣) "نقد مراتب الإجماع" (٢٨٨).
(٤) أبو داود كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء، (ح ٦٣)، (١/ ١٧)، الترمذي كتاب الطهارة، باب منه آخر، (ح ٦٧)، (١/ ٩٧)، النسائي كتاب الطهارة، باب التوقيت في الماء، (ح ٥٢)، (١/ ٤٦)، ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب مقدار الماء الذي لا ينجس، (ح ٥١٧)، (١/ ١٧٢)، ابن جرير في "تهذيب الآثار" في مسند ابن عباس، السفر الثاني (٧٣٦) وصححه، وكذا الألباني في "الإرواء" (ح ٢٣).
(٥) "نهاية المحتاج" (١/ ٨٦).
(٦) "الإجماع" (١٢).
(٧) "المغني" (١/ ٢٠).
(٨) "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٩) "حاشية الروض" (١/ ٥٩)، (١/ ٨١).
(١٠) "مراتب الإجماع" (٣٦).
[ ١٠٩ ]
أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (١). نقله النووي، وتعقبه بقول ابن أبي ليلى (٢)، وابن قاسم (٣).
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة" (٤). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا.
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ومنها: أن المضاف لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة". . .، ثم قال: "فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم" (٥).
الزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: "اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث؛ أعني ما يطلق عليه ماء، والمقيد لا يزيل؛ لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص" (٦). ونقل عبارته ابن الهمام (٨٦١ هـ) بنصها دون إشارة (٧).
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ بماء الورد، لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٨). حيث لم يحسب الوضوء به وضوءًا.
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد" (٩).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١٠).
• مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الوضوء بالماء، و(ماء) هنا مطلقه، فمن لم
_________________
(١) "الوسيط" للغزالي (١/ ١٠٩).
(٢) "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٣) "حاشية الروض" (١/ ٥٩).
(٤) "بدائع الصنائع" (١/ ٦٩).
(٥) "المغني" (١/ ٢٠)، وانظر: "المبدع" (١/ ٤٢).
(٦) "تبيين الحقائق" (١/ ٢٠).
(٧) "فتح القدير" (١/ ٧٢).
(٨) "العناية" (١/ ٤٠٢).
(٩) "البحر الرائق" (١/ ٧٢).
(١٠) "التاج والإكليل" (١/ ٦٠)، "مواهب الجليل" (١/ ٤٦).
[ ١١٠ ]
يجد الماء المطلق فيصير للتيمم، ولم يقل: إنه يلجأ إلى غير الماء المطلق، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره (١)، واللَّه تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: نُقل الخلاف في هذه المسألة كما سبق عن ابن أبي ليلى، والأصم، وقد عقَّب الإمام النووي على نقل الغزالي للإجماع؛ بأنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه (٢)، وعلى قول الأصم؛ بأنه لا يعتد بخلافه (٣).
ونقد ابن تيمية نقل ابن حزم للإجماع في هذه المسألة؛ بحكاية قول ابن أبي ليلى والأصم (٤). ونقل المرداوي في "الإنصاف" قولًا عن ابن تيمية في هذه المسألة، وأنقله بنصه، حيث قال: "الطريق الثالث: أنه ينقسم -أي الماء- إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس.
وهي طريقة الشيخ تقي الدين، فإن عنده أن كل ماء طاهر تحصل الطهارة به، وسواء كان مطلقًا أو مقيدًا، كماء الورد ونحوه. نقله في "الفروع" عنه في باب الحيض" (٥).
وبعد مراجعة كلام ابن مفلح في الفروع، وجدت كلامه غير دال على ذلك، وهذا هو نص كلامه: "وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده؛ فلهذا عنده الماء قسمان: طاهر طهور، ونجس" (٦)، ثم عاد إلى الحديث عن مسائل الحيض.
وهذا ليس فيه تصريح بما ذكره المرداوي ﵀.
وبعد التأمل ومراجعة كلام ابن تيمية في المسألة، وجدت أنه قال بقول قريب من هذا في مسألة مشابهة، ولعله اشتبهت عليه المسألتان.
فهو يقصد إذا اختلط بالماء شيء من المائعات كالدهن والكافور ونحو ذلك، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم تختلف عما نحن بصدده (٧)، أو اختلط بشيء من الطاهرات كالزعفران والأشنان والحمص وغير ذلك (٨).
_________________
(١) "تبيين الحقائق" (١/ ٢٠).
(٢) "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٣) "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٤) "نقد المراتب" (٢٨٨).
(٥) "الإنصاف" (١/ ٢٢).
(٦) "الفروع" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
(٧) سبق بحثها بعنوان: (طهارة ما تغير بمجاورة دون مخالطة).
(٨) وهي مسألة خلافية، انظر: "المبدع" (١/ ٤٣).
[ ١١١ ]
فتلك اختلفوا فيها؛ لأنها قد يشملها اسم الماء المطلق على الخلاف بينهم، ولكن هذه لا يشملها، فلا يقول إنسان لماء ورد: هذا ماء، ويسكت، وكذا ما شابهه، واللَّه أعلم (١).
ولكن بعد مزيد من البحث وجدت أن البعلي في "الإختيارات"، قد نقل هذا القول عنه، فقال: "وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والأصم، وابن شعبان" (٢).
هذا ما نقله عنه، ولم أجد من يؤكد هذا الزعم. ونقل الإمام ابن القيم دعوى هذا الإجماع، ونقده بأنه ليس فيه إجماع، ونقل قول الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن في الخل، حيث قالوا: يجوز الوضوء بالخل (٣).
وهناك مسألة أخرى، ولكنها قد تعتبر من نواقض هذا الإجماع المحكي، وهي: ما لو سال الماء من الثمر أو الشجر بدون عصر، فقد صرح بجواز الوضوء به صاحب "الهداية" المرغيناني الحنفي، وقد تفرد بذلك (٤).
وخالف ابن حزم ﵀ في الماء الذي طُبخ فيه، كالفول والحمص والترمس واللوبيا ما دام يقع عليه اسم الماء، فيجوز الوضوء به (٥).
وخالف الحنفية أيضًا، في ماء الزعفران والصابون والأشنان، ولكن بشرط عدم سلب اسم الماء عنه (٦).
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ حيث نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وما نقل عن ابن تيمية، وكذلك قول ابن حزم، والمرغيناني، وكل ما سبق يبين وجود الخلاف في المسألة بما لا يدع مجالًا للشك، واللَّه تعالى أعلم.