إذا أراد المسلم الوضوء، ووجد مائعًا من المائعات، فإنه لا يجوز له الوضوء به،
_________________
(١) انظر كلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٤).
(٢) "الاختيارات" (٨)، ومن ضمن "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٢٩٨).
(٣) "إعلام الموقعين" (١/ ٢٠٥).
(٤) انظر: "الهداية مع شرحه فتح القدير" لابن الهمام (١/ ٧١)، و"البحر الرائق" (١/ ٧٢).
(٥) "المحلى" (١/ ١٨٦).
(٦) "البناية" للعيني (١/ ٣٦١).
[ ١١٢ ]
وعليه حُكي الإجماع.
وقد تشتبه هذه المسألة بالمسألة السابقة (الوضوء بغير الماء المطلق غير جائزة)، والفرق هو: أن تلك المسألة يطلق على المائع فيها اسم الماء، ولكن بالإضافة، فيقال: ماء الورد، وماء الزعفران.
أما هذه المسألة، فالمقصود المائعات التي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا، إلا من حيث السيولة فقط، مثل القهوة والنبيذ واللبن. .، سواء كانت ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر (١).
ويستثنى من هذه المسألة النبيذ، حيث وقع فيه خلاف مشهور، أما غيره من المائعات فداخل في هذه المسألة.
ويؤكد هذا التقسيم أن ابن المنذر فصل هاتين المسألتين، وكذلك فقول ابن أبي ليلى السابق هو في المعتصر فقط كماء الشجر والورد ونحوهما (٢).
وقد جعلهما بعض العلماء واحدة (٣)، ورأيت أن أفصل بينهما؛ نظرًا لاختلافهما، واللَّه تعالى أعلم.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أنه لا يجوز الاغتسال، ولا الوضوء بشيء من الأشربة سوى النبيذ" (٤). ونقل القرطبي نحو هذه العبارة، دون أن يشير أنها لابن المنذر (٥).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أنه لا يجوز وضوء بشيء من المائعات وغيرها، حاشا الماء والنبيذ" (٦).
الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية، وهي زوال الحدث" (٧).
_________________
(١) انظر "المغني" (١/ ٢٠).
(٢) انظر "نقد المراتب" لابن تيمية (٢٨٨)، و"المغني" (١/ ٢٠).
(٣) كابن تيمية في "نقد المراتب" (٢٨٨)، والنووي في "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٤) "الإجماع" (١٢).
(٥) "تفسير القرطبي" (٥/ ٢٣٠) ق؛ (٥/ ١٤٩)، وانظر: "التاج والإكليل" (١/ ٦٠)، "مواهب الجليل" (١/ ٤٥).
(٦) "مراتب الإجماع" (٣٦).
(٧) "بدائع الصنائع" (١/ ٨٣).
[ ١١٣ ]
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول "فصل: فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء؛ كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم -فيما نعلم- أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢).
ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول عن الطاهر: "وهو قسمان: أحدهما غير مطهر بالإجماع، وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه، . .، والأول ثلاثة أنواع: ما خالطه طاهر فغير اسمه، بأن صار صبغًا أو خلًّا؛ لأنه أزال عنه اسم الماء، أو غلب على أجزائه فصيره حبرًا، . .، أو طبخ فيه فغيره حتى صار مرقًا كماء الباقلاء" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس -﵄-، والحسن، فيما حكي عنهما في اللبن (٥)، والشافعية (٦).
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].
٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الطهورية للماء المطلق، وهذه المائعات لا يقع عليها اسم الماء المطلق؛ فلا يجوز الوضوء بها؛ لأنها ليست ماء (٧)، واللَّه أعلم.
• الخلاف في المسألة: سبق النقل عن الإمام ابن القيم حيث نقد دعوى الإجماع في المسألة الماضية، وقال: ليس فيه إجماع، ونقل عن الحسن بن صالح بن حي وحميد ابن عبد الرحمن أنهما يقولان بجواز الوضوء بالخل (٨)، وهذا نقض لدعوى الإجماع في المسألتين؛ حيث إن الخل لا يقال فيه ماء، فما يطلق عليه ماء بالإضافة يدخل من باب أولى حيث لا يطلق عليه ماء أصلًا. ونقل البعلي في "اختيارات ابن تيمية" (٩) عنه القول بأن المائعات كلها حكمها حكم الماء، قلت أو كثرت، وهو رواية عن
_________________
(١) "المغني" (١/ ٢٠)، وانظر كلامه بعدها في التفريق بين المسألتين.
(٢) "حاشية الروض" (١/ ٨١).
(٣) "المبدع" (١/ ٤١).
(٤) "حاشية الروض" (١/ ٨١).
(٥) "المصنف" (١/ ٧٩).
(٦) "المجموع" (١/ ١٣٩).
(٧) "المغني" (١/ ١٩).
(٨) "إعلام الموقعين" (١/ ٢٠٥).
(٩) من ضمن "الفتاوى الكبرى" (١/ ٢٩٩)، وهو في "الاختيارات" (١١).
[ ١١٤ ]
أحمد (١)، ومذهب الزهري، والبخاري (٢)، وحكي رواية عن مالك (٣).
ووجدت كلامًا له نحوه (٤)، غير أنه ليس فيه توضيح، هل هو يقصد أن حكمها كالماء في الوضوء والغسل، أو أنه يقصد في التنجس والطهارة؟
حيث أخذ يتحدث عن مسألة الدهن الجامد والمائع، وتنجسه من سقوط فأر وعدمه، فالكلام غير واضح، واللَّه تعالى أعلم.
وعلى كل حال فالمسألة حكي فيها الخلاف، فليست محل إجماع.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف المحكي في المسألة، سواء ثبت خلاف ابن تيمية أو لا، وذلك لخلاف الحسن بن صالح، وحميد بن عبد الرحمن، وسبق شبهه عن ابن أبي ليلى في المعتصر، والخلاف في المطبوخ، حيث إن الخلاف هناك يجري هنا لقيام نفس العلة، فالكل ليس ماء مطلقًا، والكل من المائعات، واللَّه تعالى أعلم.