تستخدم عبارة نفي الخلاف عند الإطلاق للدلالة على الإجماع.
وقد يحصل هذا بعدة عبارات منها: (لا خلاف في هذا بين المسلمين)؛ (بلا خلاف بين الأمة)؛ (بلا خلاف بين السلف)؛ (بلا خلاف بين الصحابة)؛ (بلا خلاف بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين الفقهاء)؛ (بلا خلاف)؛ أو مثل
_________________
(١) انظر: "المستصفى من علم الأصول" للإمام الغزالي (١٣٧).
(٢) انظر: "المصباح المنير" للفيومي (٤٢)، مكتبة لبنان.
(٣) "مراتب الإجماع" لابن حزم (٢٧٤).
[ ٤٥ ]
العبارات السابقة، ولكن النفي يكون مقيدًا بنفي العلم بالخلاف فقط، مثل: (بلا خلاف نعلمه)؛ (لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء)، وهكذا.
وهذه أضعف من النوعين السابقين من عبارات نقل الإجماع، وهي أيضًا متفاوتة في القوة، فالجزم بنفي الخلاف أقوى بلا شك في نفي العلم بالخلاف؛ إذ إن نفي العلم قد يعني أنه غير متأكد من عدم وجود المخالف، وقد يكون متشككًا من ذلك.
ثم إن تقييد نفي الخلاف بأنه بين العلماء أو الفقهاء أو الصحابة أو نحو ذلك أقوى وأصرح مما لو لم يقيده؛ إذ قد يفهم منه نفي الخلاف بين علماء مذهبه الفقهي الخاص.
هذا وقد حصل خلاف بين أهل العلم في عبارة نفي الخلاف؛ هل تعتبر إجماعًا أو لا؟ فقيل: إن نفي الخلاف يعد إجماعًا.
وهو ما يظهر من كلام ابن عبد البر، حيث استخدم عبارة نفي الخلاف، ثم استخدم لفظ الإجماع في نفس المسألة وفي نفس السياق، حيث قال: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر؛ أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (١).
• وقيل: إن نفي الخلاف لا يعد إجماعًا.
• وقيل بالتفصيل في ذلك؛ فإن كان العالم ممن يعرف الخلاف والإجماع ويحفظه؛ فإنه يُقبل منه، وإن لم يكن هذا العالم كذلك؛ فلا يقبل منه (٢).
يقول الإمام أحمد رادًّا على مدعٍ للإجماع في إحدى المسائل: "هذا كذب، ما عِلْمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس" (٣).
وعلّق عليه القاضي بقوله: "قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف" (٤).
وقد التزم بهذا الورع عدد من العلماء، منهم ابن قدامة ﵀، فهو قليلًا ما يعبر
_________________
(١) "الاستذكار" (١/ ٢٨٦).
(٢) "البحر المحيط" (٦/ ٤٨٨).
(٣) "العدة" للقاضي (٤/ ١٠٦٠).
(٤) "العدة" للقاضي (٤/ ١٠٦٠).
[ ٤٦ ]
بالإجماع، بل يعبر بعدم علمه بالخلاف.
ويقول الإمام ابن القيم عن أصول فتوى الإمام أحمد، معلقًا على مسألتنا: "ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا" (١). وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، . .، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (٢)، هذا لفظه، ونصوص رسول اللَّه -ﷺ- أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده" (٣).
وقد عبّر النووي بعدم الاعتداد بنفي العلم بالخلاف، فقال: "لا أعرف فيه خلافًا ولا يلزم من عدم معرفته عدم الخلاف" (٤)، قال هذا رادًّا على قول الشيرازي بنفي العلم بالخلاف في مسألة أقل الطهر في الحيض (٥).
ولكن جرت عادة العلماء على الاعتداد بمثل هذه العبارة ونقلها، وإن لم تكن في قوة العبارة الصريحة بالإجماع (٦).
خاصة إذا تحققنا من عدم نقل الخلاف عن أحد من العلماء في المسألة، كما هو العمل في هذه الرسالة.
_________________
(١) لم أجد هذه العبارة، وانظر: "الأم" (٧/ ٢٩٤) وما بعدها.
(٢) انظر: "العدة" للقاضي (٤/ ١٠٥٩).
(٣) "إعلام الموقعين" (١/ ٢٤).
(٤) "المجموع" (٢/ ٤٠٥).
(٥) "المهذب مع شرحه المجموع" (٢/ ٤٠٥).
(٦) انظر: "أحكام الإجماع والتطبيقات عليها" للمحمد (٣٣)، "إجماعات ابن عبد البر في العبادات" للبوصي (١/ ٥٢).
[ ٤٧ ]