الماء الطاهر إذا استعمله إنسان في غير رفع الحدث وإقامة القربة، فإن هذا الاستعمال لا يغير من حكم الماء في شيء.
وهنا قيد مهم، وهو: أن يكون هذا المستعمِلُ للماء طاهرًا غير محدث، وإلا أصبح الكلام عن المسألة الخلافية المعروفة، وهي حكم الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل (٣).
وهناك قيد آخر، وهو أن يكون الماء قليلًا، فأما ما زاد عن ذلك، فغير داخل؛ حيث إنه لا ينجس (٤).
وعبارة (لغير قربة) في عنوان المسألة؛ لكي تُخْرج أمرين:
١ - الاستعمال لإزالة الحدث.
٢ - الاستعمال لإقامة قربة، حتى ولو لم يكن وضوءًا كاملًا، كمن غسل يديه بعد الاستيقاظ بنية القربة.
_________________
(١) "مواهب الجليل" (١/ ٧٠).
(٢) "المجموع" (١/ ٢٠٢).
(٣) انظر "بدائع الصنائع" (١/ ٦٩).
(٤) "الإنصاف" (١/ ٣٦).
[ ١١٦ ]
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ أو اغتسل للتبرد؛ فإن كان محدثًا؛ صار الماء مستعملًا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود إزالة الحدث، وعن محمد لا يصير مستعملًا؛ لعدم إقامة القربة، وإن لم يكن محدثًا؛ لا يصير مستعملًا بالاتفاق، على اختلاف الأصول" (١).
ويقول أيضًا: "فإن كان طاهرًا وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد؛ لا يصير مستعملًا بالإجماع؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التبرد والتنظيف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤).
أبو بكر الحدادي الحنفي (٨٠٠ هـ) حيث يقول: "وإذا توضأ الطاهر، ولم ينوها؛ لا يصير مستعملًا إجماعًا" (٥).
العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ولو توضأ متوضئ للتبرد؛ لا يصير الماء مستعملًا بالإجماع" (٦). ونقل ابن نجيم هذه العبارة دون إشارة (٧).
ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول -في سياق كلام له-: "لأن الطاهر -أي الرجل- إذا انغمس لطلب الدلو، ولم يكن على أعضائه نجاسة، لا يصير الماء مستعملًا اتفاقًا؛ لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة" (٨).
الرحيباني (١٢٤٣ هـ) حيث يقول: "وكاستعمال الماء في تبرد وتنظف، فلا يصير الماء مستعملًا في ذلك، ولا يكره استعماله بعد ذلك اتفاقًا" (٩).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية على المشهور
_________________
(١) "بدائع الصنائع" (١/ ٦٩)، وكون الماء الذي لم يستعمل لرفع الحدث لا يعتبر مستعملًا؛ يعني: أنه باق على أصله، ولا يتغير حكمه عند من يفرق بين الماء المستعمل وغيره.
(٢) "البدائع" (١/ ٧٠)، وانظر "أحكام القرآن" للجصاص (٣/ ٥٠٢).
(٣) "المغني" (١/ ٣٤).
(٤) "حاشية الروض" (١/ ٦٩).
(٥) "الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري" (١/ ١٦).
(٦) "البناية" (١/ ٤٠٢)، وانظر نحوها: "حاشية ابن عابدين" (١/ ١٩٩).
(٧) "البحر الرائق" (١/ ٩٥).
(٨) "البحر الرائق" (١/ ١٠٣).
(٩) "شرح غاية المنتهى" (١/ ٣٥)، وانظر "كشاف القناع" للبهوتي (١/ ٣٣).
[ ١١٧ ]
عندهم (١)، والشافعية (٢)، وابن حزم (٣).
• مستند الإجماع: حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، عن النبي ﵊ قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه" (٤).
• وجه الدلالة: أن الأصل في الماء الطهارة؛ إلا أن يتغير، وهذا الماء طاهر، ولم يستعمل في رفع حدث أو إقامة قربة، أشبه الماء الطاهر الذي غسل به ثوب طاهر (٥).
• الخلاف في المسألة: نقل الحطاب ﵀ قولًا لأصبغ؛ بأنه يترك هذا الماء ويتيمم، فإن صلى به؛ أعاد أبدًا، وقال: "وسواء عنده توضأ به الأول محدثًا أو مجددًا، أو غسل به ثوبًا طاهرًا" (٦). ونقل السرخسي عن الطحاوي ﵀، بأنه قال: إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملًا.
وعلق عليه بقوله: "وهذا غلط منه، إلا أن يكون تأويله؛ إن كان محدثًا فيزول الحدث باستعمال الماء، وإن كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملًا" (٧).
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود الخلاف المعتبر في المسألة، أما ما نقل عن أصبغ، فلم أجد من قال بقوله، ولم يتابعه أحد من المالكية أو غيرهم، فهو شذوذ منه ﵀، واللَّه تعالى أعلم.