ابن حزم أحد أكثر العلماء شهرة في هذا المجال، حيث إنه قد صنف كتابًا في الإجماعات الفقهية، وهو مراتب الإجماع، سار فيه على أبواب الفقه كلها، يذكر ما وجده من اتفاقات فقهية فرعية.
وقد بيّن كثيرًا من منهجه في مقدمة كتابه الآنف الذكر.
وقد وجدت أنه في مسألةٍ حكى فيها الاتفاق في المراتب، ثم خالف هو هذا الاتفاق في "المحلى" (٤)، وهذا لا شك أنه وهم منه ﵀ أو نسيان، وهو مما يتعرض له البشر بطبيعتهم.
ثم إن ابن حزم له منهج غريب في حكاية الاتفاق في كتابه "المراتب"، وقد قسم الإجماع إلى طرفين:
الأول: وهو الإجماع المعروف.
الثاني: "هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه؛ فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب؛ أو لم يأثم، فسمى هذا القسم الإجماع الجازي" (٥).
وفي هذا القسم الثاني إشكال، فهو يحكي الاتفاق على مسألة، بقيود أكثر من المسألة الأصلية، ثم يقول: إن من فعل هذا فقد أدى ما عليه، ومنهجه في هذه القيود أنه يستثني بكل قيدٍ قولًا في المسألة؛ حتى يخرج خلافه منها، فهي أشبه بحكاية الخلاف في المسائل المستثناة أكثر منه حكايةً للإجماع.
_________________
(١) انظر: مسألة (تحريم الوطء للحائض قبل الغُسل).
(٢) انظر للاستزادة "رسالة الإجماع عند الإمام النووي" للباحث على الراشدي (١/ ٢٠٥).
(٣) نقله المرداوي عنه في "تصحيح الفروع" (١/ ٤٦٥)، انظر: "إجماعات ابن عبد البر" (١/ ٦٦).
(٤) انظر: مسألة (زوال العقل ينقض الوضوء).
(٥) "مراتب الإجماع" (٢٤).
[ ٦٤ ]
وقد أحصيت مسألة ذكر فيها ستة وأربعين قيدًا (١)، كل قيد منها يشكّل مسألة مستقلة، وأكثر ما يقال عن هذه الاتفاقات التي يحكيها ﵀ أنها نوع من الإجماع على أقل ما قيل في المسألة، ولكن دون الوصف الثاني لهذا النوع من الإجماع، وهو نفي الزيادة، ومن هذا الوجه تختلف عن الإجماع على أقل ما قيل، الذي يبحثه الأصوليون.
وفي رسالتي هذه لم أعتمد هذه الاتفاقات، حيث إنها في الحقيقة حكاية للخلاف في الاستثناءات لا للإجماع.
والإمام ابن حزم ﵀ من أكثر العلماء اطلاعًا على الخلاف، ولذا فإن إجماعاته التي بلفظ الإجماع قليلًا ما تخطئ، وهذا يدل على تفريقه بين اللفظين، ولذلك يقول: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (٢)، إلا أنني وجدته في مسألة استخدم العبارتين فيها (٣).
ومما يُذكر هنا أنه سبقت الإشارة إلى أن ابن حزم لا يعتبر قول المبتدعة ناقضًا للإجماع في حال مخالفتهم (٤).