الإمام ابن عبد البر من العلماء الكبار، العارفين بالخلاف والاجماع، وهو ممن اشتهر عنه حكاية الإجماع، وكثيرًا ما ينقل العلماء عنه حكاياته للإجماع.
ومما تميز به ابن عبد البر أن له عبارات خاصة به، واختيارات أصولية بنى عليها منهجه في ألفاظه وحكاياته للإجماع، فهو كثيرًا ما يستخدم لفظ (اجتمع العلماء) أو (مجتمع عليه)، وهي لفظة لا تدل على الإجماع الأصولي على الأظهر، فهي تدل على قول الجمهور.
فقد عبر بعدها في موضعٍ بلفظ الإجماع في نفس المسألة، مما يدل على أنهما
_________________
(١) "مراتب الإجماع" (٤٠)، ومن الأخطاء التي وقع فيها الأستاذ سعدي أبو جيب أنه يعنون لكل قيد فيها بأنه حُكي الإجماع فيها! وانظر ذلك في الحديث عن الدراسات السابقة.
(٢) "مراتب الإجماع" لابن حزم (٢٧٤).
(٣) مسألة: (مشروعية التيمم للمريض العادم للماء).
(٤) في مطلب حكم مخالفة المبتدعة، ونقلت عنه نصًّا في ذلك.
[ ٦٥ ]
مختلفتان عنده، حيث يقول: "واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع" (١).
وكثيرًا ما يصف قول الجمهور بالإجماع، أو يقول (أجمع الجمهور)، وهذا مبني على اختياره أن قول الجمهور نوع من الإجماع.
ففي مسألة الغسل من التقاء الختانين، والخلاف فيها بين الصحابة معروف، يقول: "ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين" (٢).
وسبق الإشارة إلى أن ابن عبد البر إذا حكى الإجماع في سياق الاستعراض للأقوال، والاستدلال للمسائل والنقاش لها؛ فغالبًا ما يكون إجماعه في السياق حكاية عن قول الجمهور (٣).
وقد يحكي الإجماع في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه المالكي (٤).
وسبق ذكر كونه يستخدم عبارة نفي الخلاف والإجماع في نفس المسألة، مما يدل على اعتداده بعبارة نفي الخلاف للإجماع.