إذا وجد المسلم ماء آجنًا، فإنه يجوز أن يتوضأ به، بإجماع العلماء على ذلك.
والآجِن: قال في "المصباح": "أجن الماء أجنًا وأجونًا من بابي ضرب وقعد: تغير؛ إلا أنه يشرب، فهو آجِن على فاعل" (٦).
وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان، من غير مخالطة شيء يغيره (٧)، وقيل: إنه يدخل في مسألة ما تغير بالطحلب والخز ونحوه (٨).
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ): أجمعوا على أن الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز، وانفرد ابن سيرين فقال: لا يجوز (٩). ونقله عنه ابن قدامة (١٠)، والنووي (١١)، وابن مفلح (١٢)، والبهوتي (١٣).
_________________
(١) "بدائع الصنائع" (١/ ١٥).
(٢) "المجموع" (١/ ١٥١).
(٣) "الإنصاف" (١/ ٣٣).
(٤) "المحلى" (١/ ١٩٥).
(٥) انظر المصادر السابقة.
(٦) "المصباح المنير" (٦).
(٧) "المغني" (١/ ٢٣).
(٨) انظر: "المغرب" للمطرزي (٢١)، "المحلى" (١/ ١٩٤)، "تفسير القرطبي" (١٣/ ٤٤) ق، (١٣٣١)، وقد سبق بحثها في مسألة: (الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه).
(٩) "الإجماع" لابن المنذر (١٣).
(١٠) "المغني" (١/ ٢٣).
(١١) "المجموع" (١/ ١٣٧).
(١٢) "المبدع" (١/ ٣٦).
(١٣) "كشاف القناع" (١/ ٢٦)، و"الروض" (١/ ٦٥) مع "الحاشية".
[ ٨٥ ]
ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث إنه أدخل هذه المسألة في أفراد مسألة تغير الماء بالمخالطة لطاهر، وقد حُكي الإجماع فيها كما سبق، يقول: "وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء، مما لا ينفك عنه غالبًا؛ أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، إلا خلافًا شاذًّا روي في الماء الآجن عن ابن سيرين" (١).
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لا تكره الطهارة بماء البحر ولا بماء زمزم ولا بالمتغير بطول المكث -وهو الآجن- ولا بالمسخن ما لم يخف الضرر لشدة حرارته سواء سخن بطاهر أو نجس، وهذه المسائل كلها متفق عليها عندنا، وفي كلها خلاف لبعض السلف" (٢).
ثم نقل بعدها حكاية الاتفاق عن ابن المنذر ونقل حكايته الخلاف عن ابن سيرين فقط.
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤).
ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث نقل عنه الرحيباني فقال: "قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه" (٥).
ولكن لم أجد هذه العبارة في "المبدع"، سوى نقله حكاية ابن المنذر للإجماع (٦).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحسن، وقتادة، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى (٧)، والحنفية (٨).
• مستند الإجماع:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
• وجه الدلالة: أن الآية مطلقة، فكل ما يطلق عليه اسم الماء يتوضأ به، ولا دليل
_________________
(١) "بداية المجتهد" (١/ ٥١)، فقد استثنى هذه المسألة من مسألة ما غُير بما لا ينفك عنه غالبًا، مع أن الماء الآجن لا تغيير فيه، بل من ذاته، وانظر: "مواهب الجليل" (١/ ٥٦).
(٢) "المجموع" (١/ ١٣٦)، ثم نقل الاتفاق عن ابن المنذر بعدها بقليل، وانظر: "مغني المحتاج" (١/ ١١٨)، "أسنى المطالب" لزكريا الأنصاري (١/ ٨)، "الأشباه والنظائر" للسيوطي (٧٥).
(٣) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٦).
(٤) "حاشية الروض" (١/ ٦٥).
(٥) "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني (١/ ٣٤).
(٦) "المبدع" (١/ ٣٦).
(٧) "المصنف" (١/ ٥٨).
(٨) "بدائع الصنائع" (١/ ١٥).
[ ٨٦ ]
على إخراج الماء الآجن من الماء المطلق (١).
٢ - أنه لا يمكن الاحتراز منه، فأشبه المتغير بما يتعذر صونه عنه (٢).
• الخلاف في المسألة: خالف في المسألة ابن سيرين، والقاسم بن مخيمرة (٣)؛ فقالوا بكراهة الوضوء من الماء الآجن.
وقد حكاه المرداوي قولًا في مذهب الحنابلة بالكراهة (٤).
فالخلاف المحكي هو بالكراهة، وهي لا تنافي الجواز (٥).
وعلى فرض كون ابن سيرين يقول بعدم الجواز، كما نقل ذلك ابن المنذر عنه فيما سبق، فقد وصفه ابن رشد بالشذوذ كما سبق، ولم يتابعه على هذا القول أحدٌ من العلماء.
أما مخالفة القاسم ورواية الحنابلة، فهي في الكراهة، ولم أجد من نقل القول بعدم الجواز إلا ما حكاه ابن رشد عن ابن سيرين، فلا مخالفة حقيقية إلا منه، واللَّه أعلم.
النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، ولا يضره مخالفة من خالف، كما سبق بيان ذلك، واللَّه تعالى أعلم.