إذا أراد المسلم أن يتوضأ، فوجد فضل وضوء رجل، فإنه يجوز له أن يتوضأ به، وعليه حُكي الإجماع.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وفيه (١)؛ أنه لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله في فضل وضوء الرجال إجماع من العلماء، وللَّه الحمد" (٢).
النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل" (٣).
وقال بعدها: "ويؤيده أنا لا نعلم أحدًا من العلماء منعها فضل الرجل" (٤).
وقال أيضًا: "وأما تطهير المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع أيضًا" (٥). ونقله عنه بلفظ الإجماع الحافظ العراقي (٦)، وابن حجر (٧)، والشوكاني (٨)، كلاهما بلفظ الاتفاق، وتعقباه أيضًا.
ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وأما تطهر المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع" (٩).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١٠)، والحنابلة على الصحيح (١١)، وابن حزم (١٢).
• مستند الإجماع:
١ - حديث ابن عباس -﵄-، أن النبي -ﷺ- كان يغتسل بفضل
_________________
(١) يعني حديث نبع الماء من تحت أصابع النبي -ﷺ-.
(٢) "التمهيد" (١/ ٢١٨).
(٣) "المجموع" (٢/ ٢٢١).
(٤) "المجموع" (٢/ ٢٢٢).
(٥) "شرح مسلم" (٤/ ٢).
(٦) "طرح التثريب" (٢/ ٣٩).
(٧) "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٨) "نيل الأوطار" (١/ ٤٣).
(٩) "حاشية ابن قاسم" (١/ ٧٩).
(١٠) "المبسوط" (١/ ٦١).
(١١) "الإنصاف" (١/ ٥١).
(١٢) "المحلى" (١/ ٢٠٤).
[ ٨٩ ]
ميمونة (١).
• وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- كان يغتسل بفضل امرأة، وهي مسألة اشتهر الخلاف فيها، ومن باب أولى جواز الاغتسال بفضل الرجل، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - حديث عائشة -﵂-، أنها كانت تغتسل مع النبي -ﷺ- من إناء واحد (٢).
• وجه الدلالة: كونها تغتسل بفضل رجل وهو النبي -ﷺ-، ولم ينكر عليها؛ فدل على جواز ذلك (٣)، واللَّه تعالى أعلم.
• الخلاف في المسألة: نقل الطحاوي خلافًا في المسألة، فقال: "فذهب قوم إلى هذه الآثار (٤)، فكرهوا أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بهذا كله" (٥). ونقل الحطاب ﵀ قولًا بعدم جواز الوضوء بفضل الرجل (٦)، وهو وجه ضعيف عند الحنابلة (٧).
واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن سرجس -﵁-، قال: "نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل ولكن يشرعان جميعًا" (٨).
وخالف ابن عمر، والشعبي، والأوزاعي في المسألة، فقالوا بعدم جواز الوضوء
_________________
(١) مسلم كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، (٣٢٣)، (١/ ٢٥٧).
(٢) البخاري كتاب الغسل، باب غسل الرجل مع امرأته، (ح ٢٤٧)، (١/ ١٠٠)، مسلم كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، (ح ٣١٩)، (١/ ٢٥٥).
(٣) "المبسوط" (١/ ٦١)، "شرح مسلم" (٤/ ٢).
(٤) حديث النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، عن عبد اللَّه بن سرجس وغيره، وسيأتي تخريج حديث عبد اللَّه بعد قليل.
(٥) "شرح معاني الآثار" للطحاوي (١/ ٢٤)، ونقله ابن حجر عنه في "فتح الباري" (١/ ٣٠٠)، والشوكاني في "النيل" (١/ ٤٣).
(٦) "مواهب الجليل" (١/ ٥٢).
(٧) "الإنصاف" (١/ ٥١).
(٨) أحمد (ح ١٧٠٥٣)، (٤/ ١١١)، وأبو داود باب النهي عن ذلك - الوضوء بفضل وضوء المرأة -، (ح ٨١)، (١/ ٢١)، والنسائي كتاب الطهارة، باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، (ح ٢٣٨)، (١/ ١٣٠)، و"مصنف عبد الرزاق" كتاب الطهارة، باب سؤر المرأة، (١/ ١٠٦)، والدارقطني باب النهي عن الغسل بفضل المرأة (١/ ١١٦)، وقال عنه ابن حجر في "بلوغ المرام" (١٤): "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح" (ح ٤٧٢).
[ ٩٠ ]
بفضل الرجل، ولكن مقيدًا بما إذا كانت جنبًا (١). ولم يذكر لهم دليلًا.
النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، مع أن القوم الذين أبهمهم الطحاوي ليسوا معروفين، ولم يوضح مقصدهم من الكراهة، هل هي التنزيهية أو التحريمية؟ ولكن حكاية الحطاب صريحة، أزالت الشك والريبة، وقواها الوجه الضعيف عند الحنابلة، وبهما لا يتحقق الإجماع في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.