• المراد بالمسألة: أن الهبة منها: ما يقصد بها الثواب، ومنها ما لا يقصد بها الثواب، والتي يقصد بها الثواب منها ما يقصد بها وجه اللَّه، ومنها ما يقصد بها وجه المخلوق، فالتي لا يقصد بها الثواب لا خلاف في جوازها.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن الصدقة المطلقة والهبة والعطية إذا كانت مجردة بغير شرط ثواب ولا غيره، ولا كانت في مشاع. . فقبلها الموهوب له أو المعطى أو المتصدق عليه وقبضها عن الواهب أو المعطي أو المتصدق في صحة الواهب والمعطي والمتصدق فقد ملكها ما لم يرجع الواهب والمعطي في ذلك] (٦).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [فأما الهبة لغير الثواب فلا خلاف في
_________________
(١) الاستذكار (١٦/ ٦٩).
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (٢/ ٣٥٣).
(٣) الشرح الصغير، للدردير (٣/ ٥٧٠).
(٤) الفروع، ابن مفلح (٧/ ٤٠٥).
(٥) الشرح الصغير، (٤/ ١٤٠).
(٦) مراتب الإجماع (ص ١٧٢) وقال في المحلى (٩/ ١١٨): [ولا تجوز هبة يشترط فيها الثواب أصلًا، وهي فاسدة مردودة. . وهو قول جمهور من السلف].
[ ٨ / ٢٥٠ ]
جوازها] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، الشوكاني (٥).
قال العمراني: (الواهبون على ثلاثة أضرب: أحدها: هبة الأعلى للأدنى، مثل أن يهب السلطان لبعض الرعية أو يهب الغني للفقير. . . والثاني: هبة النظير للنظير، كهبة السلطان لمثله، أو الغني لمثله، فهذه لا تقتضي الثواب أيضًا، لأن القصد بهذه الهبة الوصلة والمحبة، الثالث: هبة الأدنى للأعلى: مثل أن يهب بعض الرعية للسلطان شيئًا، أو يهب الفقير للغني أو يهب الغلام لأستاذه، ففيه قولان: قال في القديم: يلزمه أن يثيبه، . . . وقال في الجديد: لا يلزمه أن يثيبه. . . وهو الأصح) (٦).
قال الخطيب الشربيني: (التمليك لعين بلا عوض في حال الحياة تطوعًا هبة) (٧).
قال البهوتي: (ولا تقتضي الهبة عوضًا ولو مع عرف كأن يعطيه أي يعطي الأدنى أعلى منه ليعاوضه أو يقضي له حاجة ولم يصرح له بذلك) (٨).
قال الدردير: (وجاز للواهب شرط الثواب على هبته: أي العوض عليها، وتسمى هبة ثواب) (٩).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قول اللَّه ﷾: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦].
_________________
(١) بداية المجتهد (٢/ ٧١٤).
(٢) الهداية (٣/ ٢٤١).
(٣) أسنى المطالب (٥/ ٥٦٥).
(٤) الإنصاف (٧/ ١١٦).
(٥) الدرر المضية (٢/ ١٤٤).
(٦) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٨/ ١٣١ - ١٣٢).
(٧) مغني المحتاج، (٢/ ٣٩٦).
(٨) كشاف القناع، (٤/ ٢٥٢).
(٩) الشرح الصغير، (٤/ ١٥٦).
[ ٨ / ٢٥١ ]
• وجه الاستدلال: أن فيها النهي عن الإعطاء لأجل الإثابة، قال قتادة: لا تعط شيئًا لتثاب أفضل منه، وقال: معمر، وطاووس، والحسن: لا تمنن عطيتك، ولا عملك، ولا تستكثر (١).
الثاني: عن ابن عباس في قول اللَّه ﷾: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]. قال: هو هدية الرجل، أو هبة الرجل يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند اللَّه، ولا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه (٢).
النتيجة: صحة الإجماع في جواز الهبة لغير الثواب.