• المراد بالمسألة: أن المريض إذا وهب في مرض موته الذي مات فيه أحدًا، وله ورثة، ولم يكن مدينًا، والموهوب له غير وارث، ولم يقبضها، أنه يرجع إلى الثلث إن كان وهب جميع ماله، أو ما زاد عن الثلث.
من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [أجمع كل من نحفظ عنه
_________________
(١) مغني المحتاج، (٢/ ٣٩٧).
(٢) كشاف القناع، (٤/ ٢٥٢).
(٣) الشرح الصغير، (٤/ ١٣٩).
(٤) حاشية الدسوقي، (٥/ ٤٩٠ - ٤٩١).
(٥) حاشية ابن عابدين، (٨/ ٤٢٣).
(٦) انظر: المغني، ابن قدامة (٨/ ٢٥٥)، وبدائع الصنائع، الكاساني (٦/ ١١٨).
(٧) بدائع الصنائع (٦/ ١١٨)، ومجموع الفتاوى (٣١/ ٢٧١)، وكشاف القناع (٤/ ٢٩٩).
[ ٨ / ٢٥٣ ]
من أهل العلم على أن الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهب: حكم الوصايا، ويكون من الثلث مقبوضة] (١).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا. . والهبة والعطية إذا كانت مجردة بغير شرط ثواب ولا غيره ولا كانت في مشاع فإن كانت عقارًا أو غيره وكانت مفرغة غير مشغولة من حين الصدقة إلى حين القبض فقبلها الموهوب له أو المعطى أو المتصدق عليه وقبضها عن الواهب أو المعطى أو المتصدق في صحة الواهب والمعطي والمتصدق فقد ملكها ما لم يرجع الواهب والمعطي في ذلك واتفقوا أن كل ذلك من المريض إذا كان ثلث ماله فأقل أنه نافذ] (٢).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [أصل علامات المرض الذي يلزم به صاحبه الفراش، ولا يعذر معه على شيء من التصرف، ويغلب على القلوب أنه يتخوف عليه منه الموت إذا كانت هذه حال المريض، فالعلماء مجمعون قديمًا وحديثًا على أنه لا يجوز له أن يقضي في ماله بأكثر من الثلث] (٣).
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على عطايا المريض وهباته من الثلث] (٤). عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [وإن كان المرض الذي اتصل به الموت مخوفًا فمن ثلث ماله عند جمهور العلماء] (٥).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والشوكاني (٨).
_________________
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٨٧).
(٢) مراتب الإجماع (ص ١٩٣).
(٣) الاستذكار (٢٣/ ٥١).
(٤) الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ٧٢).
(٥) حاشية الروض المربع (٦/ ٢٩).
(٦) بدائع الصنائع (١٠/ ٤٧٩)، والهداية (٤/ ٥٨٤)، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١٠/ ٣٤٩).
(٧) المهذب (/ ٤٥٢)، وأسنى المطالب (٦/ ١٠٠)، وتحفة المحتاج (٣/ ٨٠).
(٨) نيل الأوطار (٦/ ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٨ / ٢٥٤ ]
قال السرخسي: (وإذا رجع في مرض الموهوب له ففيه روايتان كلاهما في الكتاب: في إحدى الروايتين قال يعتبر من جميع ماله، وذكر ابن سماعة فيه القياس والاستحسان في القياس يعتبر من جميع ماله وفي الاستحسان يعتبر من الثلث لا لأنه تمليك ابتداء، ولكن الراد في مرضه باختياره يتم بالقصد إلى إبطال حق الورثة كما تعلق حقهم به فلرد قصده جعل معتبرًا من ثلثه) (١).
قال البهوتي: (وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه فعطاياه ولو كانت عتقًا ووقفًا ومحاباة. . . كوصية، في أنها لا تصح لوارث بشيء غير الوقف للثلث فاقل ولا لأجنبي بزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة فيهما أي فيما إذا كانت لوارث بشيء، وما إذا كانت لأجنبي بزيادة على الثلث) (٢).
قال الدردير: (. . . وكذا المريض والزوجة فيما زاد على ثلثهما إلا أن هبتهما فيما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الوارث والزوج) (٣). قال الدسوقي: (فالمريض والزوجة إذا أراد هبة ثلثهما صح لهما لأن لهما أن يتبرعا به. . .) (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: (عادني رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع من شكوى أشفيت منها على الموت، فقلت: يا رسول اللَّه، بلغ بي ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فبشطره؟ قال: لا، قال: الثلث كثير) (٥).
_________________
(١) المبسوط، (١٢/ ٨٥).
(٢) كشاف القناع، (٤/ ٢٧٢).
(٣) الشرح الصغير، (٤/ ١٤٠).
(٤) حاشية الدسوقي، (٥/ ٤٩٢).
(٥) رواه: البخاري، رقم (٢٧٤٢)، ومسلم، رقم (١٦٢٨).
[ ٨ / ٢٥٥ ]
• وجه الاستدلال: أنه جعل صدقته في مرضه من الثلث، كوصاياه من الثلث بعد موته (١).
الثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- (إن اللَّه تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) (٢).
• وجه الاستدلال: أنه يجوز للمريض مرض الموت أن يتصرف في ثلث المال، لأنَّ عطيته من رأس المال تضر بالورثة، فردت إلى الثلث كالوصية.
الثالث: أن حالة مرض الموت، يغلب أن الإنسان يموت فيها، فكانت العطية فيها من حق الورثة، فلا يتجاوز بها الثلث (٣).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: طاووس (٤)، وداود وابن حزم الظاهريان (٥). فذهبوا إلى أن وصيته تخرج من رأس ماله لا من الثلث.
• دليلهم: يستند الخلاف إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قول اللَّه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقوله ﷾: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧].
• وجه الدلالة من الآيتين: أن فيهما الحث على فعل الخيرات، وعدم نسيان الفضل بين المؤمنين أو الأزواج، ولم يخص صحيحًا من مريض (٦)
_________________
(١) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٨١).
(٢) رواه: أحمد، رقم (٢٧٤٨٢)، وابن ماجه رقم (٢٧٠٩)، وابن أبي شيبة، في المصنف، كتاب الوصايا، باب ما يجوز للرجل من الوصية في ماله، رقم (٣٠٩١٧)، وهو حديث حسن. انظر: إرواء الغليل (٦/ ٧٧).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٨/ ٢٦٤)، والمغني (٨/ ٤٧٤).
(٤) الحاوي الكبير (٨/ ٣٢٠) ونقل عن طاووس أته قال: [العتق وغيره من رأس المال].
(٥) المحلى (٩/ ٣٥٧). قال ابن حزم: [قول أبي سليمان أن جميع أفعال المريض من رأس ماله إلا العتق].
(٦) المحلى (١٠/ ٢٢٤).
[ ٨ / ٢٥٦ ]
الثاني: لأنه لما كان ما أنفقه من ماله في ملاذه وشهواته من رأس ماله كان ما يتقرب به من عتقه وهباته ومحاباته أولى أن تكون من رأس ماله (١).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن هبة المريض في مرض موته تكون من الثلث فقط، وذلك للخلاف القوي في المسألة (٢).