• المراد بالمسألة: أنه لا يحل للواهب أن يرجع بهبته بعد أن قبضها الموهوب له، إذا لم يكن الموهوب له ولدًا، وكانت الهبة قد خلت من شرط الثواب.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [إن الاعتصار عند أهل المدينة هو الرجوع في الهبة والعطية، ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن الصدقة لا رجوع فيها للمتصدق بها وكل ما أريد به من الهبات وجه اللَّه تعالى بأنها تجري مجرى الصدقة في تحريم الرجوع فيها] (٥).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وأجمعوا على أن الهبة التي يراد بها الصدقة -أي وجه اللَّه- أنه لا يجوز لأحد الرجوع فيها] (٦).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ولا يجوز للمتصدق الرجوع في صدقته في قولهم جميعًا] (٧).
_________________
(١) الهداية، (٣/ ٢٧٦).
(٢) المبدع في شرح المقنع، (٤/ ٧).
(٣) المعيار المعرب (٧/ ٦٠).
(٤) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٢٠).
(٥) الاستذكار (٢٢/ ٣١٢).
(٦) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ٢٤٩).
(٧) المغني (٨/ ٢٧٩).
[ ٨ / ٢٦٣ ]
ابن حجر العسقلاني (٨٢٥ هـ) قال: [وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض] (١)
الصنعاني (١١٨٢ هـ) قال: [فيه دلالة على تحريم الرجوع في الهبة، وهو مذهب جماهير العلماء وقد استثنى الجمهور ما يأتي من الهبة للولد] (٢) عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [فدل تحريم الرجوع في الهبة، وهو مذهب الجمهور، إلا ما استثناه الشارع] (٣)
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥)، والشوكاني (٦).
قال ابن حزم: (ومن وهب هبة صحيحة لم يجز له الرجوع فيها أصلًا مذ يلفظ بها إلا الوالد والأم فيما أعطيا أو أحدهما لولدهما فلهما الرجوع فيه أبدًا الصغير والكبير سواء) (٧).
قال العمراني: (. . . لا يصح رجوعه عليه، لأن المقصود بالصدقة القربة إلى اللَّه تعالى، فلم يصح له الرجوع فيها بعد لزومها كالعتق) (٨). قال الكاساني: (. . . ولا رجوع في الصدقة على الفقير بعد قبضها لحصول الثواب الذي هو في معنى العوض بوعد اللَّه تعالى) (٩).
قال المرغيناني: (والصدقة كالهبة. . . ولا رجوع في الصدقة لأن المقصود هو الثواب وقد حصل) (١٠). قال القرافي: (الصدقة لا تعتصر) (١١).
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ٢٣٥)، وقال في (٥/ ٢٣٥): [القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض مذهب جمهور العلماء، إلا هبة الوالد لولده].
(٢) سبل السلام (٣/ ٩٠).
(٣) حاشية الروض المربع (٦/ ١٩).
(٤) الهداية (٣/ ٢٥٨).
(٥) المحلى (٩/ ١٢٧).
(٦) الدرر المضية (٢/ ١٤٤).
(٧) المحلى (٩/ ١٢٧).
(٨) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٨/ ١٢٦).
(٩) بدائع الصنائع، (٦/ ١٣٣).
(١٠) الهداية، (٢/ ٢٣١).
(١١) الذخيرة، (٦/ ٢٦٦).
[ ٨ / ٢٦٤ ]
قال الشوكاني: (ويحرم الرجوع فيها. . يقول القنوجي: لكون الهدية هي هبة لغة وشرعًا) (١).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يوجع في قيئه) (٢).
• وجه الاستدلال: وقال النووي: (هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة) (٣). وقال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا (٤).
الثاني: عن ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (٥).
• وجه الاستدلال: فيه المنع من الرجوع في الهبة، وقيدها أهل العلم إذا لم يقصد بها الثواب.
الثالث: أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها) (٦).
_________________
(١) الروضة الندية شرح الدرر البهية، (٢/ ١٦٤).
(٢) رواه: البخاري، رقم (٢٦٢٢)، ومسلم رقم (١٦٢٢).
(٣) شرح مسلم، للنووي (١١/ ٦٤).
(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٢/ ١٤٨)، وجامع الأصول (١٢/ ٢٦٥)، ونصب الراية (٤/ ١٢٦).
(٥) رواه: الترمذي، رقم (١٢٩٩)، وقال: حسن صحيح، والحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، رقم (٢/ ٣٥٣)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. انظر: سنن الترمذي، رقم (١٢٩٩).
(٦) رواه: مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في الهبة، رقم (٤/ ١٠٩٤)، وابن أبي شيبة رقم (٢١٧٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الهبات، باب المكافأة في الهبة، رقم (٦/ ١٨١)، وصححه ابن حزم في المحلى (٩/ ١٣٢)، والألباني. انظر: إرواء الغليل، رقم (١٦١٣).
[ ٨ / ٢٦٥ ]
• وجه الاستدلال: أن الهبة إذا خلت من شرط الثواب فهي في معنى الصدقة، لا يجوز الرجوع فيها.
النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الصدقة.