• المراد بالمسألة: أنَّ من وهب هبة أو أهدى هدية يريد بها شيئًا من الدنيا، كعوض مالي أو شيء يثاب عليه، فجائز له أن يرجع في هبته ما لم يثب عليه.
• من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [إجماع الصحابة فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وعبد اللَّه بن سيدنا عمر، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد وغيرهم -﵃-، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعًا] (١).
• الموافقون على الإجماع: المالكية (٢)، وابن تيمية (٣).
قال ابن رشد: (ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب جواز الاعتصار في الهبة وهو الرجوع فيها) (٤). قال الموصلي: (ويجوز الرجوع فيما يهبه للأجنبي) (٥).
قال القرافي (إذا شرط الواهب الثواب أو يرى أنه أراده فلم يثب، فله أخذ هبته إن لم تتغير في بدنها بنماء أو نقص بخلاف البيع، وكذلك إذا أثابه أقل من قيمتها) (٦).
قال ابن تيمية: (أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة: مثل من يعطي رجلًا عطية ليعاوضه عليها، أو يقضي له حاجة، فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظًا أو عرفًا فله أن يرجع في هبته أو قدرها) (٧).
_________________
(١) بدائع الصنائع (٨/ ١٢٠) ذكرها تحت مسألة (أما ثبوت حق الرجوع، فحق الرجوع في الهبة ثابت عندنا).
(٢) تهذيب المدونة، البرادعي (٤/ ٣٥٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٣١/ ٢٨٣ - ٣٨٥).
(٤) بداية المجتهد، (٢/ ٣٣٢).
(٥) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٥١).
(٦) الذخيرة، (٦/ ٢٧٣).
(٧) مجموع الفتاوى (٣١/ ٢٨٣).
[ ٨ / ٢٧٠ ]
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قوله ﷾: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
• وجه الاستدلال: أن من معاني التحية: الهدية بالمال، لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض، لأنه عبارة عن إعادة الشيء، وهذا لا يتصور في الأعراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل (١).
الثاني: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها) (٢).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، وهذا نص في هذا الباب.
الثالث: ولأنَّ العوض المالي قد يكون مقصودًا من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب من الأجنبي إحسانًا إليه وإنعامًا عليه، وقد يهب له طمعًا في المكافأة والمجازاة عرفًا وعادة.
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: الشافعي (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥)، والشوكاني (٦)، فذهبوا إلى عدم جواز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الثواب الدنيوي، لأنها من جملة العقود.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٨/ ١٢٠).
(٢) رواه: ابن ماجة رقم (٢٣٨٧)، والدارقطني، كتاب البيوع، رقم (٣/ ٤٦١)، وابن أبي شيبة رقم (٢١٧٠٤)، وسنده ضعيف. قال البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٨١): (وإبراهيم بن إسماعيل ضعيف عند أهل العلم بالحديث وعمرو بن دينار عن أبى هريرة منقطع). انظر: السلسلة الضعيفة، رقم (٣٦٥٦).
(٣) مغني المحتاج (٣/ ٥٧٢).
(٤) المغني (٨/ ٢٧٧)، والإنصاف (٧/ ١٤٥).
(٥) المحلى (٩/ ١٢٧).
(٦) الدرر المضية (٢/ ١٤٤).
[ ٨ / ٢٧١ ]
• دليلهم: يستند الخلاف إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقوله ﷾: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
• وجه الاستدلال: فيه وجوب الوفاء به، والهبة من جملة العقود، ولا يحل لأحد إبطالها إلا بنص، ولا نص في إبطالها (١).
الثاني: عن ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) (٢).
• وجه الاستدلال: أن القيء حرام، فالمشبه به مثله، قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا (٣).
الثالث: عن ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (٤).
• وجه الاستدلال: فيه المنع من الرجوع في الهبة، وقيدها أهل العلم إذا لم يقصد بها الثواب.
الرابع: أنه واهب لا ولاية له في المال فلم يرجع في هبته، قياسًا على ذي الرحم المحرم (٥).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنه يجوز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الثواب، وذلك للخلاف في المسألة.