• المراد بالمسألة: أن الوعد غير ملزم، فمن وعد آخر بهبة ثم رجع في
_________________
(١) المحلى، ابن حزم (٩/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المجموع، للنووي (التكملة ١٥/ ٣٨٢).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) المغني (٨/ ٢٧٨).
[ ٨ / ٢٧٢ ]
وعده فلا يلزمه دفعها إليه، ولكن الواعد إذا ترك الوفاء به فقد فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيهية شديدة ولكن لا يأثم.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٦٤٢ هـ) قال: [أن العدة واجب الوفاء بها وجوب سنة وكرامة، وذلك من أخلاق أهل الإيمان. . وإنما قلنا أن ذلك ليس بواجب فرضًا، لإجماع الجميع على أن من وعد بمال ما كان يضرب به مع الغرماء، كذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن في المروءة، ولا يقضى به، ولا أعلم خلافًا أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر على الوفاء به، ويستحق على الخلف في ذلك الذم] (١).
• وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
قال القرافي: (قال ابن يونس: إذا سألك أن تهب له دينارًا، فقلت: نعم، ثم بدا لك، قال مالك: لا يلزمك. . . قال سحنون: الذي يلزم من العدة: اهدم دارك وأنا أسفلك، أو اخرج إلى الحج، أو اشتر لعملعة كذا، أو تزوج امرأة وألْا أسفلك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجردًا لوعد فلا يلزم، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق) (٥).
قال النووي: (الوفاء بالوعد مستحب استحبابًا متأكدًا، ويكره إخلافه كراهة شديدة) (٦).
قال الخطيب الشربيني: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة إخلافه) (٧).
قال الرملى: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة خلافه) (٨).
_________________
(١) الاستذكار (١٤/ ٣٤٩)، والتمهيد (٣/ ٢٠٦).
(٢) الهداية (٣/ ٢٤٨).
(٣) نهاية المحتاج (٥/ ٤٢٢).
(٤) الفروع، ابن مفلح (٦/ ٤١٥).
(٥) الذخيرة، (٦/ ٢٩٧).
(٦) روضة الطالبين، (٥/ ٣٩٠).
(٧) مغني المحتاج، (٢/ ٤٠٥).
(٨) نهاية المحتاج، (٥/ ٤٢٢).
[ ٨ / ٢٧٣ ]
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن زيد بن أرقم -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (إذا وعد الرجل وينوي أن يفي به فلم يف به فلا جناح عليه) (١).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على عدم وجوب الوفاء بالوعد (٢).
الثاني: عن صفوان بن سليم الزرقي، أن رجلًا قال لرسول اللَّه -ﷺ-: أكذب لامرأتي؟ فقال -ﷺ-: (لا خير في الكذب) فقال: يا رسول اللَّه: أفأعدها وأقول لها؟ فقال -ﷺ-: "لا جناح عليك" (٣).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على أن إخلاف الوعد ليس قسيم الكذب، وأنه لا جناح على من أخلف وعده (٤).
الثالث: ويمكن الاستدلال أيضًا بأن الوعد تبرع محض من الواعد، ولا دليل على وجوب التبرع على أحد، خاصة وأن الهبة من عقود التبرعات، وهي بطبيعتها عقود غير لازمة، يجوز فسخها قبل القبض (٥).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٦)، وبعض أهل الظاهر (٧).
_________________
(١) رواه: وأبو داود رقم (٤٩٩٥)، والترمذي رقم (٢٦٣٣)، وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (٢١٣٥٩). وضعفه الألباني في تعليقه على سنن أبي داود، رقم (٤٩٩٥).
(٢) الذخيرة (٦/ ٢٩٩).
(٣) رواه: مالك، في الموطأ مرسلًا، كتاب الكلام، باب ما جاء في الصدق والكذب، رقم (٢/ ١٦٨)، وإسناده منقطع، قال ابن عبد البر، في التمهيد (١٦/ ٢٤٧): (لا أحفظه مسندًا بوجه من الوجوه، وقد رواه ابن عيينة من صفوان عن عطاء بن يسار مرسلًا) وضعفه أيضًا في الاستذكار (٢٧/ ٣٤٨).
(٤) الذخيرة (٦/ ٢٩٩).
(٥) انظر: الأذكار، النووي (ص ٢٨٢).
(٦) فتح العلي المالك (١/ ٢٥٦)، والفروق (٤/ ٢٤) والمالكية يرون وجوب الوفاء بالوعد إذا أدخله في سبب ملزم بوعده. انظر: الذخيرة (٥/ ٤٢٠).
(٧) المحلى (٩/ ١٢٧)، وجامع العلوم والحكم، ابن رجب (ص ٤٠٤).
[ ٨ / ٢٧٤ ]
وذهبوا إلى وجوب الوفاء بالوعد، وأنه يلزم مطلقًا.
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه نصوص الوحيين التي فيهما الأمر بالوفاء بالوعد، منها:
الأول: قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
• وجه الاستدلال: فيها أن من ألزم نفسه عقدا لزمه الوفاء به، والوعد مما ألزم الشخص نفسه به، وإذا أخلف فهو كاذب.
الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذ وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) (١).
• وجه الاستدلال: أن إخلاف الوعد قد عده النبي -ﷺ- في خصال المنافقين، والنفاق مذموم شرعًا، وعلى هذا يكون إخلاف الوعد محرمًا فيجب الوفاء بالوعد.
الثالث: عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه) (٢).
• وجه الاستدلال: أن فيه النهي عن إخلاف الوعد، والنهي يفيد التحريم.
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن جواز الرجوع بالوعد بالهبة، وذلك للخلاف في المسألة.