• المراد بالمسألة: هذه المسألة تختلف عن السابقة، فتلك تتحدث عن قبض الأب الهبة لولده إذا وهبها هو إياه، وهذه تتحدث عن هبة الغير للطفل، فمن الذي يقوم بقبض الهبة؟ فالإجماع المحكي هنا على أن الأب، أو من يقوم مقامه كالوصي، أو الحاكم، هم الذين يقومون بقبضها دون غيرهم، أما الأم والأولاد فلا يقبضون عنه.
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أنه يقبض للطفل الصغير أبوه أو وليه] (٤).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره. . وأنه يكفي في إشهاده بالهبة والإعلان بذلك، وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما لا يتعين] (٥).
_________________
(١) رواه: مالك في الموطأ، كتاب الوصية، باب ما يجوز من النحل، رقم (١٤٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الهبات، باب يقبض للطفل أبوه، رقم (١٢٣٠٤).
(٢) انظر: الكافي، ابن قدامة (ص ٥٢١)، والشرح الكبير، الدردير (٥/ ٥٠٥).
(٣) المصادر السابقة.
(٤) الإفصاح (٢/ ٥٧).
(٥) بداية المجتهد (٢/ ٧١٣).
[ ٨ / ٢٨٧ ]
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [(ويقبض للطفل أبوه، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه بأمره. .) ولا يصح القبض والقبول من غير هؤلاء. . وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢).
قال العمراني: (إذا وهب غير ولي الطفل للطفل هبة، فإن كان له أب أو جد، وكان عدلًا، قبل له الهبة، وقبض له، لأنه هو المتصرف عنه، وإن كان فاسقًا، لم يصح قبوله ولا قبضه، لأنه لا ولاية له عليه مع الفسق) (٣).
قال الكاساني: (فيقبض للصبي وليه، أو من كان الصبي في حجره وعياله عند عدم الولي، فيقبض له أبوه. . .) (٤).
قال النووي: (إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول، نظر، إن كان الواهب أجنبيًا، قبل له من يلي أمره من ولي ووصي وقيم) (٥).
قال ابن عابدين: (وإن وهب له أجنبي يتم بقبض وليه وهو أحد أربعة: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه) (٦).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان -﵁- قال: (منتحل ابنًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها) (٧).
الثاني: أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه، ولا قبوله، لأنه ليس من أهل
_________________
(١) المغني (٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٢) حاشية ابن عابدين (٨/ ٥٠٠)، في تفصيل، فلديهم صورتان للمسألة، كما سأبينه في الخلاف.
(٣) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٨/ ١٢٢).
(٤) بدائع الصنائع، (٦/ ١٢٦).
(٥) روضة الطالبين، (٥/ ٣٦٧).
(٦) حاشية ابن عابدين (٥/ ٦٩٥).
(٧) سبق تخريجه.
[ ٨ / ٢٨٨ ]
التصرف، ووليه يقوم مقامه، فإن كان له أب أمين فهو وليه لأنه أشفق عليه، وأقدر على حفظ مال الصغير (١).
الثالث: إذا لم يوجد الوصي، فنائبه، أو الحاكم، لأنه نائب بالشرع فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له (٢).
الرابع: ولأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضار فأولى أن يملك عليه النافع (٣).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية في المفتى به عندهم (٤) فذهبوا إلى أن صحة قبض كل من هو في عياله كالأم، والأخ، والعم، ولو بحضور الأب، أو وصيه.
• دليلهم: أن فيه نفعًا للصغير، فلا ينبغي أن يفوت، وأنه لو كان الغير مميزًا لجاز أن يقبض مع وجود الأب (٥).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الأب يقبض الهبة للطفل إذا كانت من غيره.