• المراد بالمسألة: يجوز للمرء أن يهب جميع ماله في حياته ما دام في حال الصحة، بخلاف حال الموت فإنه راجع للثلث.
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وعمدة الجمهور (١) أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده، فإن كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى] (٢).
ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: [الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده] (٣).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والحنابلة (٥).
قال السرخسي: (فإن قال: جميع ما أملك صدقة في المساكين، فعليه أن يتصدق بجميع ما يملك) (٦). قال الموصلي: (ولو نذر أن يتصدق بملكه فهو على الجميع) (٧).
قال القرافي: (جوّز مالك الصدقة بماله كله. . . وكره مالك والأئمة هبة ماله كله لأجل بنيه) (٨).
_________________
(١) ذكره لفظة الجمهور في أول حكاية الإجماع، لأنه يتحدث عن مسألة خلافية أخرى وهي: هل له أن يهب كل ماله لأولاده، مع إجماعهم على جواز هبة ماله كله للأجنبي.
(٢) بداية المجتهد (٢/ ٧١٢) وقال أيضًا: [واتفقوا على أن للإنسان أن يهب جميع ماله للأجنبي].
(٣) فتح الباري (٥/ ٢١٥).
(٤) الهداية (٣/ ٢٥٩).
(٥) الكافي (ص ٢١٧ - ٢١٨)، ونصوا على أنه يجوز إن علم في نفسه حسن التوكل، ويجوز مع الكراهة إن لم يثق بنفسه.
(٦) المبسوط، (١٢/ ٩٣).
(٧) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٥٤).
(٨) الذخيرة، (٦/ ٢٨٨).
[ ٨ / ٢٩٣ ]
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما جاء عن: عمر بن الخطاب -﵁- قال: (أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- أن نتصدق فوافق مالًا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما أبقيت لأهلك؟) قلت: أبقيت لهم مثله، فأتى أبو بكر -﵁- بكل ما عنده فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما أبقيت لأهلك؟) فقال: اللَّه ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدًا) (١).
• وجه الاستدلال: فيه أن النبي -ﷺ- قبل من أبي بكر أن يتصدق بماله كله، فدل على الجواز، والهبة في معنى الصدقة، لأنها من التبرعات.
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في المسألة عن: عمر بن الخطاب -﵁- (٢)، وعروة بن الزبير (٣)، والزهري (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥). فذهبوا إلى عدم جواز هبة كل المال.
• دليلهم:
الأول: عن أبي هريرة -﵁-، قال رسول اللَّه -ﷺ-: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) (٦).
• وجه الاستدلال: أنه إذا كان أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، فلا
_________________
(١) رواه: أبو داود رقم (١٦٧٨)، والترمذي رقم (٣٦٧٥)، والحاكم في المستدرك، كتاب الزكاة، رقم (٢/ ٤٠)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والدارمي رقم (١٦٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب ما يستدل به على أن قوله -ﷺ-: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) وقوله حين سئل عن أفضل الصدقة: (جهد من مقل) إنما يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الشدة والفاقة والاكتفاء بأقل الكفاية، رقم (٤/ ١٨٠)، وحسن اسناده الألباني في تعليقه على سنن أبي داود، رقم (١٦٧٨).
(٢) انظر: المحلى، ابن حزم (٩/ ١٣٦).
(٣) المصدر السابق، (٩/ ١٣٦).
(٤) المصدر السابق، (٩/ ١٣٦).
(٥) المصدر السابق، (٩/ ١٣٦).
(٦) رواه: البخاري رقم (١٤٢٦)، ومسلم رقم (١٠٣٧).
[ ٨ / ٢٩٤ ]
شك أن ما زاد في الصدقة ونقص في الخير فلا أجر فيه، ولا فضل فيه، وأنه باطل ومحرم.
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- بمثل البيضة من الذهب، فقال: يا رسول اللَّه هذه صدقة ما تركت لي مالًا غيرها، فحذفه بها النبي -ﷺ- فلو أصابه لأوجعه، ثم قال: (ينطلق أحدكم فينخلع من ماله، ثم يصير عيالًا على الناس) (١).
• وجه الاستدلال: أن في رد النبي -ﷺ- صدقة الرجل دليل على حرمة التصدق بجميع المال (٢).
الثالث: عن كعب بن مالك -﵁- قال: قلت يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (أمسك بعض مالك فهو خير لك) قال: فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) (٣).
• وجه الاستدلال: أن عدم إذن النبي -ﷺ- لجابر بالتصدق بجميع ماله دليل على التحريم.
الرابع: أن كل عقد جمع حلالًا وحرامًا فهو عقد مفسوخ كله (٤).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز هبة كل المال وذلك للخلاف المذكور.