• المراد بالمسألة: أن المشاع من الأموال إذا كان مما ينقسم فلا تجوز هبته، كالدور، والأراضين، والمذروعات، والموزونات، والمكيلات، وأما
_________________
(١) رواه: البيهقي في شعب الإيمان، باب الاختيار في صدقة التطوع، رقم (٣٢٦٤).
(٢) انظر: المحلى، ابن حزم (٩/ ١٣٦).
(٣) رواه: البخاري رقم (٢٧٥٧)، ومسلم رقم (٢٧٦٩).
(٤) المحلى (٩/ ١٣٦).
[ ٨ / ٢٩٥ ]
إذا كان مما لا يحتمل القسمة فإنه يجوز هبته، كالرأس الواحد من الحيوان، والسيف، واللؤلوة، والثوب، ونحو ذلك.
• من نقل الإجماع: السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال: [ولو قال وهبت لك نصفها ولهذا نصفها: لم يجز بالإجماع، لأن العقد وقع في المشاع في كل نصف] (١).
الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم. . ولنا إجماع الصحابة] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع:
قال السرخسي: (وإذا وهب الرجل للرجل نصيبًا مسمى من دار غير مقسومة، وسلمه إليه مشاعًا، أو سلم إليه جميع الدار لم يجز) (٣).
قال العمراني: (وإن كانت مما ينقسم كالدار والأرض والطعام لم يصح هبة جزء منها مشاع من الشريك ولا من غيره) (٤).
قال الموصلي: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة، وفيما يقسم لا تجوز) (٥).
قال القرافي: (هبة المشاع جائزة فيما تتعذر قسمته كالجوهر والحيوان وممتنعة فيما يمكن قسمته) (٦).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: ما رُوي من قصة أبي بكر الصديق -﵁- في حديث هبته لعائشة -﵂- حيث قال لها عند موته: (. . وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا من مالي
_________________
(١) تحفة الفقهاء، (٣/ ٢٥٩).
(٢) بدائع الصنائع (٦/ ١٢٠).
(٣) المبسوط، (١٢/ ٦٤).
(٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٨/ ١١٩).
(٥) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٤٩ - ٥٠).
(٦) الذخيرة، (٦/ ٢٣١).
[ ٨ / ٢٩٦ ]
بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة. .) (١).
• وجه الاستدلال: قالوا هذا دليل على منع هبة المشاع.
الثاني: قالوا بأن المشاع الذي ينقسم لا يمكن قبضه.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
فذهبوا إلى جواز هبة المشاع فيما ينقسم. واحتجوا بما يلي:
الأول: عن قيس بن أبي حازم -﵁- قال: أتى رجل إلى النبي -ﷺ- بكبة شعر من الغنيمة، فقال: يا رسول اللَّه -ﷺ- هبها لي، فإنا أهل بيت نعالج الشعر، فقال: (نصيبي منها لك) (٥).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- وهبه شيئا مما ينقسم، لأن حصته مشاعة غير مقسومة، ولم يكن ليملكه منها إلا ما يجوز له أن يملكه، فدل على الجواز.
الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه -﵁-: (أن النبي -ﷺ- اشترى من رجل بعيرًا فلما أن وزن له رجح له) (٦).
• وجه الاستدلال: أن الرجحان غير مفروز من الثمن الذي وزن له، فدل على أن هذه هبة مشاع لم ينقسم (٧).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) المدونة الكبرى (٤/ ٣٩٦)، والإفصاح، لابن هبيرة (٢/ ٥٧).
(٣) الأم (٧/ ١٨٣).
(٤) الإنصاف (٧/ ١٣١).
(٥) رواه: ابن أبي شيبة، في المصنف، باب ما قالوا في عدل الوالي وقسمه، رقم (٣٣٥٧٥).
(٦) رواه: البخاري رقم (٢٩٢٣)، ومسلم رقم (٧١٥).
(٧) انظر: الأوسط، ابن المنذر (١٢/ ١٥).
[ ٨ / ٢٩٧ ]
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنه لا تصح هبة المشاع فيما ينقسم، وما حكاه الكاساني من الإجماع إنما هو إجماع مذهبي.