المراد بالمسألة: أن الوديعة من العقود الجائزة لكلا العاقدين (المودع والمستودع) فمتى أراد صاحب الوديعة الرجوع فيها لزم المستودع ردها إذا لم يترتب على ردها مفسدة راجحة (٢)، وكذا المستودع إن أراد ردها وجب على المودع قبولها.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أَن على كل مُودع أَن يَفِي بوديعته] (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها، فأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة] (٤). المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦)،
_________________
(١) نيل الأوطار (٥/ ٢٩٨).
(٢) كأنْ يريد مثلًا أن يقتل بالسيف. إذا كانت الوديعة سيفًا أو ما في حكمه. معصوم الدم، أو كان صاحب الوديعة مشهورًا باللصوصية وغلب على ظن المستودع أن هذا المال ليس له، أو تعلق بها حق للغير، أو طلبها ظالم ويغلب على ظنه ذهابها. انظر: المبسوط، السرخسي (١١/ ١٢٣)، ومغني المحتاج، الشربيني (٣/ ٩٠)، والإنصاف (٦/ ٣٤٩).
(٣) مراتب الإجماع (ص ١١٠).
(٤) المغني (٩/ ٢٦٨).
(٥) المجموع شرح المهذب (التكملة) (١٤/ ١٩٥).
(٦) بدائع الصنائع (٦/ ٢١٠)، والبناية في شرح الهداية (٩/ ١٣٦).
[ ٨ / ٩٢ ]
والمالكية (١)، وابن حزم من الظاهرية (٢).
قال ابن حزم: (فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها وردها إلى صاحبها) (٣) قال العمراني: (وإذا طالب المودع برد الوديعة وجب على المودَع الرد) (٤).
قال القرافي: (الرد واجب مهما طلب المالك) (٥).
قال البهوتي: (من حصل في يده أمانة. . . . وجبت عليه المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها ومع التمكن منه وكذا إعلامه) (٦).
قال ابن عابدين: (. . . هذا حكمها مع وجوب الحفظ والأداء عند الطلب) (٧).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
• وجه الاستدلال: أن الوديعة من جنس الأمانات، فإذا طلبها ربها وجب دفعها إليه.
الثاني: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٨).
• وجه الاستدلال: أن فيه الحث بأداء الأمانات عند طلبها، والوديعة من جنس الأمانات (٩).
_________________
(١) حاشية الدسوقي (٥/ ١٢٨).
(٢) المحلى (٨/ ٢٧٦).
(٣) المحلى (٨/ ٢٧٦).
(٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٦/ ٤٩٦).
(٥) الذخيرة، (٩/ ١٤٣).
(٦) كشاف القناع، (٤/ ١٥٣).
(٧) حاشية ابن عابدين، (٥/ ٦٦٤).
(٨) سبق تخريجه (ص ١٢٢).
(٩) المغني (٩/ ٢٦٩)، والواضح في شرح مختصر الخرقي (٢/ ٥٠٨).
[ ٨ / ٩٣ ]
الثالث: ولأن الوديعة حقا لمالكها لم يتعلق بها حق غيره، فلزم أداؤها إليه، كالمغصوب والدين الحال.
النتيجة: صحة الإجماع في أن المودع إن طلب الوديعة وجب ردها إليه، ولا ضرر على المودع (١).