• المراد بالمسألة: اللقطة: ما التقط من الشيء، وكل نثارة أو سنبل أو ثمر لُقط، والواحدة لقطة (١). وقال الأزهري: اللقطة بفتح القاف: اسم الشيء الذي تجده ملقًى فتأخذه، قال: وهذا قول جميع أهل اللغة وحذاق النحويين (٢).
وفي اصطلاح الفقهاء: هي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره (٣)، وحقيقتها كل مال معصوم معرض للضياع في عامر البلاد وغامرها، وأصل الالتقاط وجود الشيء عن غير طلب وقصد (٤)، أو ما وجد من حق محترم غير محترز لا يعرف الواجد مستحقه (٥).
• والمراد بالمسألة: أنه يجوز للمرء أن يلتقط اللقطة من حيث الجملة، فالأصل مشروعة وجواز التقاط الشيء الضائع، أو الملقي ولا يعرف صاحبه (٦).
_________________
(١) لسان العرب، ابن منظور (٧/ ٣٩٣).
(٢) المصباح المنير، الفيومي (ص ٤٥٤)، والمطلع على أبواب المقنع (ص ٢٨٢)، وأنيس الفقهاء (ص ١٨٨).
(٣) انظر: جامع الأصول، ابن الأثير (٩/ ٢٩٠)، والمغني، ابن قدامة (٨/ ٢٩٠)، وفتح الباري، ابن حجر (٥/ ٧٨).
(٤) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، ابن دقيق العيد (٣/ ٢٣).
(٥) البيجرمي على الخطيب، سليمان بن محمد (٣/ ٦٥٧).
(٦) انظر: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (ص ٣٧٦). ولذلك يمكن القول بأن حكم الالتقاط دائرًا على الأحكام التكليفية الخمسة، كما =
[ ٨ / ١٠٣ ]
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على جواز الالتقاط في الجملة] (١). الشربيني (٩٧٧ هـ) قال: [والأصل فيها قبل الإجماع الآيات الآمرة بالبر والإحسان إذ في أخذها للحفظ والرد بر وإحسان] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وقد وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن المنذر (٦)، وابن حزم من الظاهرية (٧).
قال ابن حزم: (من وجد مالًا في قرية أو مدينة. . . . أو وجد مالًا قد سقط أي مال كان فهو لقطة، وفرض عليه أخذه) (٨).
قال الكاساني: (أما قبل الأخذ فلها أحوال مختلفة، قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح الأخذ، وقد يكون حرام الأخذ، أما حالة الندب فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها، فأخذها لصاحبها أفضل من تركها. . . وأما حالة الإباحة، فهو أن لا يخاف عليها الضيعة. . .) (٩).
قال ابن قدامة: (قال إمامنا ﵀: الأفضل ترك الالتقاط. . . واختار
_________________
(١) = قرر ذلك جمع من أهل العلم من ذوي التحقيق، وهي: أ - الإباحة: إذا استوى الترك واللقط. ب - الوجوب: إذا خيف على المال الضائع وكان الالتقاط طريقًا لحفظها. جـ -الندب: عند عدم الخوف عليها، ووثوقه بنفسه وقدرته على التعريف. د - المحرم: عندما يأخذ الملتقط المال الضائع لا لحفظه ورده إلى صاحبه بل لتملكه. هـ - الكراهة: إذا التقطها الفاسق لئلا تسول له نفسه الخيانة فيقع في الإثم، أي بمعنى يلتقطها من يشك في أمانة نفسه. انظر: المحلى ابن حزم (٨/ ٢٥٧)، والاستذكار، ابن عبد البر (٢٢/ ٣٢٦)، وبداية المجتهد، ابن رشد (٢/ ٣٠٥)، وفتح الباري، ابن حجر (٥/ ١١١).
(٢) الإفصاح (٢/ ٦٢).
(٣) مغني المحتاج، (٢/ ٤٠٦).
(٤) البناية في شرح الهداية (٦/ ٧٦٦ - ٧٦٧).
(٥) الذخيرة القرافي (٩/ ٨٩).
(٦) مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الخطيب الشربيني (٢/ ٤٠٧).
(٧) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٦٨).
(٨) المحلى (٨/ ٢٥٧ و٢٦٠).
(٩) المحلى، ٨/ ٢٥٧.
(١٠) بدائع الصنائع، (٦/ ٢٠٠).
[ ٨ / ١٠٤ ]
أبو الخطاب أنه إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه، فالأفضل أخذها) (١).
قال الموصلي: (وأخذها أفضل لئلا تصل إليها يد خائنة، وإن خاف ضياعها فواجب صيانة لحق الناس عن الضياع) (٢).
قال القرافي: (قال اللخمي: وهو واجب ومستحب ومحرم ومكروه بحسب حال الملتقط والوقت وأهله ومقدار اللقطة) (٣).
قال الدردير: (ووجب على من وجد لقطة أخذها لخوف خائن. . . فيجب الأخذ بشرطين: إن خاف الخائن، ولم يعلم خيانة نفسه، بأن علم أمانتها أو شك فيها، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ خاف الخائن أم لا، وإن لم يخف الخائن كره علم أمانة نفسه أو شك فيها، فالوجوب في صورتين وكذا الحرمة وكذا الكراهة) (٤).
قال الدسوقي: (ووجب أخذه أي المال المعصوم الذي عرض للضياع لخوف خائن لو تركه مع علمه أمانة نفسه بدليل ما بعده لوجوب حفظ مال الغير حينئذ لا إن علم خيانته هو فيحرم أخذه ولو خاف خائنًا وإلا بأن لم يخف خائنًا كره ولو علم أمانة نفسه كأن أخاف الخائن، وشك في أمانته هو على الأحسن) (٥).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع ما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فسأله عما يلتقطه، فقال: (عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها. قال: يا رسول اللَّه فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب. قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي -ﷺ- فقال: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد
_________________
(١) المغني، (٨/ ٢٩١).
(٢) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٣٢).
(٣) الذخيرة، (٩/ ٨٩).
(٤) الشرح الصغير، (٤/ ١٦٩).
(٥) حاشية الدسوقي، (٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
[ ٨ / ١٠٥ ]
الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها) (١).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لم ينكر عليه الالتقاط، وإنما بين له ما يحل وما لا يحل، فدل على جواز الالتقاط.
• خالف في هذه المسألة: ابن المنذر (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣)، فذهبا إلى أن اللقطة لم يثبت فيها إجماع.
النتيجة: صحة الإجماع في مشروعية الالتقاط في الجملة.
وأما خلاف ابن المنذر وابن حزم، فهو في غير المشروعية.