• المراد بالمسألة: أنه يجوز للمرء أن يترك التقاط اللقطة، ومن لم يلتقطها لا يأثم بلا خلاف بين المسلمين، بل نص كثير من أهل العلم على أن الأفضل عدم التقاطها.
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط. . . ولنا قول: ابن عمر وابن عباس، ولا نعرف لهما مخالفًا في الصحابة] (٤).
• الموافقون على الإجماع: وقد وافق على هذا الإجماع: المالكية (٥).
قال القرافي: (وفي لقطة المال ثلاثة أقوال: الأفضل: تركها من
_________________
(١) رواه: البخاري رقم (٢٤٢٧)، ومسلم رقم (١٧٢٢).
(٢) الإجماع (ص ١٤٨) قال في كتاب اللقطة: [لم يثبت فيها إجماع].
(٣) مراتب الإجماع (ص ١٠٢). قال: [لا إجماع فيها].
(٤) المغني (٨/ ٢٩١).
(٥) المدونة الكبرى، سحنون بن سعيد (/ ٢٥٢)، والإمام مالك يفصل في هذا، فقد نقل عنه أنه قال: (إذا كان شيئًا له بال: يأخذه أحب إلي ويعرفه). انظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٦٨)، والمغني (٨/ ٢٩١).
[ ٨ / ١٠٦ ]
غير تفصيل) (١).
قال الخطيب الشربيني: (ولا يستحب الالتقاط قطعًا لغير واثق بأمانة نفسه في المستقبل، وهو في الحال آمن خشية الضياع أو طرو الخيانة. . . ويكره الالتقاط تنزيهًا. . . لفاسق لئلا تدعوه نفسه إلى الخيانة) (٢).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن مطرف عن أبيه -﵁-، قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ضالة المسلم حرق النار) (٣).
• وجه الاستدلال: أن حرق النار: لهبها، ومعناه: إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار (٤).
الثاني: وعن الوليد بن سعد قال: كنت مع ابن عمر فرأيت دينارًا، فذهبت لآخذه فضرب ابن عمر يدي، وقال: (مالك وله؟ ! ! اتركه) (٥).
الثالث: وعن ابن عباس: إلا ترفع اللقطة، لست منها في شيء، تركها خير من أخذها) وسئل سعيد بن جبير عن الفاكهة توجد في الطريق؟ قال: لا تؤكل إلا بإذن ربها) (٦).
الرابع: ولأن صاحبها يطلبها في المكان الذي فقدها فيه، ولو لم يذكر خصوص المكان، فإذا تركها كل أحد فالظاهر أن يجدها صاحبها؛ لأنه لابد عادة أن يمر في ذلك المكان مرة أخرى في عمره (٧).
_________________
(١) الذخيرة، (٩/ ٨٩).
(٢) مغني المحتاج، (٢/ ٤٠٧).
(٣) رواه: أحمد، رقم (١٦٣١٤)، وابن ماجه رقم (٢٥٠٢). وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (٥/ ٩٢)، والألباني. انظر: سنن ابن ماجة، رقم (٢٥٠٢).
(٤) شرح السنة، البغوي (٨/ ٣١٧).
(٥) رواه: ابن حزم، المحلى (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٦) رواه: ابن حزم، المحلى (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٧) شرح فتح القدير، لابن همام (٦/ ١١٨).
[ ٨ / ١٠٧ ]
الخامس: ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها، فكان تركه أولى وأسلم، كولاية مال اليتيم، وتخليل الخمر (١).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، وابن المنذر (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥)، وابن عبد البر (٦)، فذهبوا إلى أفضلية الالتقاط.
جاء عن الشافعي في كتاب الأم قوله: (لا يجوز لأحد ترك لقطة وجدها إن كان من أهل الأمانة) (٧).
قال ابن حزم: (من وجد مالًا في قرية أو مدينة. . . . أو وجد مالًا قد سقط أي مال كان فهو لقطة، وفرض عليه أخذه) (٨).
يقول السرخسي: (والمذهب عند علمائنا وعامة الفقهاء: أن رفعها أفضل من تركها، لأنه لو تركها لم يأمن أن تصل إليها يد خائنة، فيكتمها عن مالكها) (٩).
_________________
(١) المغني (٨/ ٢٩١).
(٢) البناية في شرح الهداية (٦/ ٧٦٦ - ٧٦٧).
(٣) الأم (٥/ ١٣٦)، ومغنى المحتاج، الشربيني (٢/ ٤٠٧).
(٤) قال في كتاب اللقطة: [لم يثبت فيها إجماع] الإجماع، ابن المنذر (ص ١٤٨)، وحكى الخلاف في كتابه: الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٦٨).
(٥) مراتب الإجماع (ص ١٠٢). وفي المحلى (٨/ ٢٥٧ و٢٦٠) ذكر الخلاف ثم رجح أخذها فقال: [فرض عليه أخذه وأن يشهد عليه عدلًا واحدًا فأكثر].
(٦) قال: (واختلفوا في سائر ذلك. . فمنها اختلافهم في الأفضل من أخذ اللقطة أو تركها) الاستذكار، ابن عبد البر (٢٢/ ٣٣٠).
(٧) الأم (٥/ ١٣٦) حيث ذكر الخلاف في ذلك، وقد نقل الماوردي في الحاوي الكبير (٨/ ١٠ - ١١) قول الشافعي وعقب عليه بقوله: (وهذا صحيح)، نهاية المطلب في دراية المذهب، الجويني (٨/ ٤٥٥ - ٤٥٦).
(٨) المحلى، ٨/ ٢٥٧.
(٩) المبسوط، السرخسي (١١/ ٢).
[ ٨ / ١٠٨ ]
• دليلهم: احتج أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة، منها:
الأول: قال ﷾: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
• وجه الاستدلال: أنه إذا كان وليه، وجب عليه حفظ ماله.
الثاني: رفعها أفضل من تركها؛ لأنه لو تركها لم يأمن أن تصل إليها يد خائنة فيكتمها عن مالكها (١).
الثالث: ولأنه إذا خاف عليها الضيعة كان أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم معنى فكان مستحبًا (٢).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن ترك التقاط اللقطة أفضل، وذلك لوجود الخلاف القوي فيها (٣).