• والمراد بالمسألة: أنه لا يحل لقطة مكة؛ إلا لمن يريد أن يعرفها فيجوز له التقاطها بهذه النية.
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وهذا كله ما عدا لقطة الحاج، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها] (٤). الشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث قال: [وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة مكة لا تلتقط
_________________
(١) المبسوط، السرخسي (١١/ ٢)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٢٠٠).
(٢) بدائع الصنائع (٦/ ٢٠٠).
(٣) انظر المسألة في: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني (٦/ ٢٠٠)، والذخيرة القرافي (٩/ ٨٩)، وبداية المجتهد (٢/ ٣٠٤)، والمجموع شرح المهذب، النووي (١٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٤) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد (٢/ ٣٠٥).
[ ٨ / ١٠٩ ]
للتملك بل للتعريف خاصة] (١).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية (٢)، وابن المنذر (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤)، وابن تيمية (٥).
قال ابن حزم: (فإن كان ذلك في حرم مكة حرسها اللَّه تعالى أو في رفقة قوم ناهضين إلى العمرة أو الحج عرف أبدًا، ولم يحل له تملكه) (٦).
قال النووي: (في لقطة مكة وحرمها وجهان، الصحيح: أنه لا يجوز أخذها للتملك، وإنما تؤخذ للحفظ أبدًا) (٧).
قال الخطيب الشربيني: (لا تحل لقطة الحرم للتملك على الصحيح) (٨).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن أبي هريرة -﵁-، قال رسول اللَّه -ﷺ-: (. . ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد) (٩).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لم يحل لقطة الحاج إلا لمعرف، فدل على أنها لا يحل تملكها (١٠).
الثاني: وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (نهى عن لقطة الحاج) (١١).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن لقطة
_________________
(١) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، الشوكاني (٦/ ٩٧).
(٢) مغني المحتاج (٢/ ٤١٧).
(٣) انظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٧٩)
(٤) المحلى (٨/ ٢٥٨).
(٥) الاختيارات (ص ١٦٩)، وهو رواية عن الإمام أحمد.
(٦) المحلى (٨/ ٢٥٨).
(٧) روضة الطالبين، (٥/ ٤١٢).
(٨) مغني المحتاج (٢/ ٤١٧).
(٩) رواه: البخاري، كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، رقم (٢٤٣٣)، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها. .، رقم (١٣٥٣).
(١٠) انظر: الاشراف على مذاهب العلماء، ابن المنذر (٦/ ٣٧٨).
(١١) رواه: مسلم، كتاب اللقطة، باب في لقطة الحاج، رقم (١٧٢٤).
[ ٨ / ١١٠ ]
الحاج بمعنى يتركها حتى يجدها صاحبها (١).
الثالث: عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: (حرم اللَّه مكة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها؛ إلا لمعرف) (٢).
• وجه الاستدلال: أنه صريح في المنع من التقاط لقطة الحاج، واستثنى الشارع من يريد تعريفها بقوله -ﷺ-: (إلا لمنشد) ويحتمل هنا أن يريد إلا لمن عرفها عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها (٣).
الرابع: أيضًا إنما اختصت لقطة الحاج بذلك لإمكان إيصالها إلى أربابها لأنها إن كانت لمكي فظاهر، وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق في الغالب من وارد منه إليها فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها (٤).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). فذهبوا إلى أن حكم لقطتها كحكم لقطة سائر البلدان.
قال الكاساني: و(كل جواب عرفته في لقطة الحل فهو الجواب فى لقطة الحرم يصنع بها ما يصنع بلقط الحل من التعريف وغيره وهذا عندنا) (٨).
قال ابن قدامة: (وروي عن أحمد رواية أخرى: أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتملك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرّفها أبدًا عن يأتي صاحبها) (٩).
_________________
(١) انظر: الاشراف على مذاهب العلماء، ابن المنذر (٦/ ٣٧٨).
(٢) رواه: البخاري رقم (١٣٤٩)، ومسلم برقم (١٣٥٣).
(٣) انظر: الاشراف على مذاهب العلماء، ابن المنذر (٦/ ٣٧٨)، والمغني (٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٤) سبل السلام (٣/ ٩٥١).
(٥) شرح فتح القدير (٦/ ١٢٨).
(٦) الذخيرة (٩/ ١١٤).
(٧) المغني (٨/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
(٨) بدائع الصنائع، ٦/ ٢٠٢.
(٩) المغني (٨/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
[ ٨ / ١١١ ]
قال القرافي: (وإذا قلنا بالتملك فهل سائر اللقطة سواء بمكة وغيرها؟ ففي الجواهر: المذهب التسوية) (١).
- قال الدردير: (. . . وله أي للملتقط حبسها أي اللقطة عنده بعدها: أي السنة لعله أن يظهر صاحبها، أو التصدق بها عن ربها أو عن نفسه، أو التملك لها بأن ينوي تملكها، ولو وجدها بمكة فله أحد هذه الأمور الثلاثة) (٢).
• دليلهم: واحتج هؤلاء المخالفون للإجماع بعدة أدلة، منها:
الأول: عمومات النصوص الواردة في تعريف اللقطة، وقالوا بأنها تشمل الحرم كما تشمل غيره (٣).
الثاني: عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: (لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد) (٤).
قال الجويني: (ومن أصحابنا من قال: من صادف لقطة في الحرم، عرّفها وملكها على قياس اللقطة في سائر البلاد) (٥).
النتيجة: عدم صحة الإجماع فِي أنَّ لقطة مكة لا تحل بنية التمليك بعد التعريف، وذلك لقوة الخلاف في المسألة (٦).