• المراد بالمسألة: أنه لا يجوز التقاط ضالة الإبل باتفاق العلماء؛ لأن معها ما تمتنع به من صغار السبع، وقدرتها على الوصول إلى الكلأ والشراب.
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [فأما الإبل فاتفقوا على أنها لا تلتقط] (٢). المرداوي (٨٨٥ هـ) قال: [الضوال التي تمتنع من صغار السباع -كالإبل. . فلا يجوز التقاطها بلا نزاع] (٣). عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [فحكم -ﷺ- بأنها لا تلتقط، بل تترك ترد المياه، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها، واتفق على ذلك أهل العلم في الجملة] (٤).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦).
قال الماوردي: (اعلم أن ضوال الحيوان. . . . كالإبل والبقر. . . لا يجوز لواجده أن يتعرض لأخذه إذا لم يعرف مالكه) (٧).
قال ابن حزم: (وأما الإبل القوية على الرعي وورود الماء، فلا يحل
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٧١).
(٢) بداية المجتهد (٢/ ٣٠٥).
(٣) الإنصاف (٦/ ٤٠١). وانظر: رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء، العكبري (٣/ ١٠٨٠).
(٤) حاشية الروض المربع (٥/ ٥٠٦).
(٥) الأم (٥/ ١٤٣).
(٦) المحلى (٨/ ٢٧٠).
(٧) الحاوي الكبير، (٨/ ٥ - ٦).
[ ٨ / ١٢١ ]
لأحد أخذها، وإنما حكمها أن تترك ولا بد) (١).
قال ابن قدامة: (كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء لكبر جثته كالإبل والخيل. . .) (٢) قال النووي: (ما يمتنع من صغار السباع بفضل قوته كالإبل والخيل. . . فإن وجدها في مفازة فللحاكم ونوابه أخذها للحفظ. . . . وأما أخذها للتملك فلا يجوز لأحد) (٣).
قال القرافي: (وضالة الإبل في الفلاة يتركها) (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -﵁- قال: جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فسأله عما يلتقطه، فقال: (عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها. قال: يا رسول اللَّه فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب. قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي -ﷺ- فقال: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر) (٥).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نبه إلى أن الإبل غنية غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب اللَّه في طباعها من الجلادة على العطش وتناول الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشي فلا تحتاج إلى الملتقط بخلاف الغنم (٦)
الثاني: قول عمر -﵁-: (من أخذ ضالة فهو ضال). أي: مخطئ، ولا يعني فيه الضلال الذي بمعنى الإثم (٧).
الثالث: أن حكمة النهي عن التقاط الإبل ظاهرة، وهي بقاؤها حيث
_________________
(١) المحلى (٨/ ٢٧٠).
(٢) المغني، (٨/ ٣٤٣).
(٣) روضة الطالبين، (٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٤) الذخيرة، (٩/ ٩٨).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) البناية في شرح الهداية (٦/ ٧٧٨)، وسبل السلام (٣/ ٩٥٠).
(٧) المغني (٨/ ٣٤٣).
[ ٨ / ١٢٢ ]
ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس (١).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذا المسألة: الحنفية (٢)، وابن المنذر (٣).
قال ابن الهمام: (ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير) (٤).
قال الموصلي: (ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات) (٥).
• دليلهم: وقد احتج المخالفون بما يلي:
الأول: ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة فعرفه، ثم ذكره لعمر -﵁- فأمره أن يعرفه، فقال الرجل لعمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال عمر -﵁-: (أرسله حيث وجدته) (٦).
• وجه الاستدلال: أن عمر -﵁- أقره على التقاطه فدل على جوازه.
الثاني: قال مالك -﵁-: إنه سمع ابن شهاب يقول: (كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب -﵁- إبلًا مؤبلة تباع لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان بن عفان -﵁-، أمر بتعريفها ثم تباع، فإن جاء صاحبها أعطي ثمنها) (٧).
• وجه الاستدلال: أن عثمان -﵁- أمر بإلتقاط الإبل وتعريفها؛ فدل على
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ٨٠).
(٢) المبسوط (١١/ ١٠).
(٣) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٨٠)، وذكر قول الزهري، قال: (كان الزهري يقول: من وجد ضالة بدنة، فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها، فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاث).
(٤) شرح فتح القدير، (٦/ ١٢٤).
(٥) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٣٤).
(٦) رواه: مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في الضوال، (٤/ ١٠٩٩) وإسناده صحيح، مستفاد من تعليقات محقق جامع الأصول (١٠/ ٧٠٩).
(٧) رواه: مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في الضوال، (٤/ ١٠٩٩) وإسناده منقطع. مستفاد من تعليقات محقق جامع الأصول، انظر: (١٠/ ٧١٠).
[ ٨ / ١٢٣ ]
جواز التقاطها لمصلحة أصحابها.
الثالث: أن المنع من التقاط الإبل كان في الابتداء، فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير، فلا تصل إليها يد خائنة إذا تركها، فأما فيما بعد ذلك الزمان فلا يأمن واجدها وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها فهو أولى من تضييعها كما هو مقرر في سائر اللقطات (١).
الرابع: ولأن الأخذ حال خوف الضيعة إحياء لمال المسلم فيكون مستحبًا، وحال عدم الخوف ضرب إحراز فيكون مباحًا على أقل تقدير (٢).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن ضالة الإبل لا تلتقط، وذلك لوجود الخلاف القوي في المسألة (٣).