• المراد بالمسألة: اختلف الفقهاء في تعريف لقطة مكة اختلافًا كبيرًا، وهذا بناء على أن لقطة مكة هل هي كباقي اللقطات؟ أم أنها خاصة؛ لأنها لا تملك أبدًا؟ (٥).
وأما غيرها فقد اتفق الفقهاء على أن مدة تعريف اللقطة ليس مطلقًا، وإنما له أمد ينتهي عنده، وهو حول كامل كما جاءت بذلك النصوص.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [أجمعوا أن اللقطة ما لم
_________________
(١) رواه: مسلم، كتاب اللقطة، باب في لقطة الحاج، رقم (١٧٢٥).
(٢) رواه: البخاري، رقم (٢٤٢٦)، ومسلم رقم (١٧٢٣).
(٣) المغني (٨/ ٢٩٢).
(٤) انظر المسألة في: البناية في شرح الهداية (٦/ ٧٧١)، والذخيرة، القرافي (٩/ ١٠٨)، والمجموع شرح المهذب (١٦/ ١٤١)، والمغني (٨/ ٢٩٢)، والإنصاف (٦/ ٤١١).
(٥) انظر الخلاف في المسألة في: شرح فتح القدير (٦/ ١٢١)، والبناية في شرح الهداية (٦/ ٧٧٠)، والمدونة الكبرى، سحنون (٧/ ٢٤٥)، والذخيرة، القرافي (٩/ ١٠٩)، والأم (٥/ ١٣٧ و١٣٥)، ومغني المحتاج (٢/ ٤١٢ - ٤١٣)، والمبدع في شرح المقنع (٥/ ٢٨١)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (٤/ ١٨٣)، وحاشية الروض المربع (٥/ ٥١٢)، والإنصاف (٦/ ٤١١).
[ ٨ / ١٢٦ ]
تكن تافهًا يسرًا أو شيئًا لا وقاء له، فإنها تعرف حولًا كاملًا] (١). البغوي (٥١٦ هـ) قال: [ومذهب عامة الفقهاء أن تعريف اللقطة سنة واحدة كما جاء في خبر زيد بن خالد، والثلاث في حديث أبي بن كعب شك لم يصر إليه أحد من أهل العلم] (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [اتفق العلماء على تعريف ما كان منها بالسنة ما لم تكن من الغنم] (٣).
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا، أو شيئًا لا بقاء له، فإنها تعرف حولًا كاملًا] (٤). النووي (٦٧٦ هـ) قال: [وأما تعريف سنة فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة، ولم يرد حفظها على صاحبها بل أراد تملكها، ولا بد من تعريف سنة بالإجماع] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة (٦)، وابن حزم من الظاهرية (٧)، وابن المنذر (٨)، والصنعاني (٩).
قال ابن حزم: (وفرض عليه أخذه وأن يشهد عليه عدلًا واحدًا فأكثر ثم يعرفه. . . . فلا يزال كذلك سنة قمرية) (١٠) قال ابن قدامة: (في التعريف ستة فصول. . . في قدر التعريف: وذلك سنة) (١١).
قال القرافي: (التعريف وفيه خمسة أبحاث: . . . في زمانه. . . .: قال في الجواهر: وهو سنة عقيب الالتقاط) (١٢).
_________________
(١) الاستذكار (٢٢/ ٣٢٩).
(٢) شرح السنة (٨/ ٣١١)،
(٣) بداية المجتهد (٢/ ٣٠٥).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (١١/ ٢٦٨).
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٢٢).
(٦) المغني (٨/ ٢٩٣).
(٧) المحلى، ابن حزم (٨/ ٢٥٧).
(٨) الإشراف على مذاهب العلماء، ابن المنذر (٦/ ٢٨١).
(٩) سبل السلام، الصنعاني (٣/ ٩٤٩).
(١٠) المحلى (٨/ ٢٥٧).
(١١) المغني، (٨/ ٢٩٣).
(١٢) الذخيرة، (٩/ ١٠٩).
[ ٨ / ١٢٧ ]
قال الشربيني: (ثم يعرفها في الأسواق وأبواب المساجد ونحوها سنة على العادة) (١)
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن زيد بن خالد الجهني -﵁- قال: جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فسأله عما يلتقطه، فقال: (عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها. .) (٢).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على أن تعريفه سنة كاملة (٣).
الثاني: ولأن السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد، من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرًا كمدة أجل العنين (٤).
الثالث: وحكمة السنة اشتمالها على الفصول الأربعة، فلا تبقى قافلة إلا وقد تهيأ زمن سائرها بحسب سلعها ومزاج بلادها، فيأتي الفصل الذي يناسبهم، ولأنها مشتملات على أغراض الأسفار (٥).
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في مدة التعريف عن: عمر بن الخطاب -﵁- (٦)، وأبي حنيفة (٧).
فقد وردت عن عمر -﵁-، خمس روايات: الأولى: سنة كاملة. والثانية:
_________________
(١) مغني المحتاج، (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ابن الملقن (٧/ ٥٢٦).
(٤) المغني، ابن قدامة (٨/ ٢٩٣).
(٥) الذخيرة، القرافي (٩/ ١٠٩).
(٦) انظر: المحلى، ابن حزم (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٧) بدائع الصنائع (٦/ ٢٠٢) والحنفية يرون: أن التقدير بالحول ليس بعام لازم في كل شيء، وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف بقلة المال وكثرته حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدًا يحرفها حولًا، وأما أقل من عشرة دراهم فيعرقها أيامًا على حسب ما يرى أنها كافية للإعلام.
[ ٨ / ١٢٨ ]
ثلاثة أعوام. والثالثة: يذكرها ثلاثة أيام ثم يعرفها سنة، وأخذ به الليث بن سعد. والرابعة: ثلاثة أشهر. والخامسة: ستة أشهر (١).
قال السرخسي: (لما قلنا أن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم، ولكنه يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها) (٢). قال ابن الهمام: (فأوجبنا التعريف بالحول احتياطًا) (٣).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن تعريف اللقطة حولًا كاملًا، وذلك للخلاف في المسألة (٤).