• المراد بالمسألة: أن للملتقط رد اللقطة إلى صاحبها بعد أن يصفها وصفًا صحيحًا، ويتعرف عليها بذكر علاماتها من: العفاص (١)، والوكاء (٢)، والعدد والوزن، فإذا ادعاها ولم يصفها، فلا تدفع إليه، ولا يحتاج الأمر إلى بينة، فيكفي الوصف (٣).
• من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [اتفقوا على أنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء] (٤).
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [وأجمع العلماء: أن عفاص اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلتها عليها، فإذا أتى صاحب اللقطة بجميع أوصافها
_________________
(١) العفاص: بكسر العين المهملة، الوعاء الذي تكون فيه النفقة. انظر: النهاية، لابن الأثير (٣/ ١١٠).
(٢) الوكاء: الخيط الذي يشد به رأس الكيس والفربة. انظر: النهاية، لابن الأثير (٣/ ١٠٧).
(٣) هذا محل اتفاق بين أهل العلم، إلا أن الحنفية والشافعية ذهبوا إلى أن الملتقط لا يجبر على تسليم اللقطة إلى مدعيها بلا بينة، لأنه مدع فيحتاج إلى بينة كغيره، ولأن اللقطة مال للغير فلا يجب تسليمه بالوصف كالوديعة، لكن يرى الحنفية جواز تسليمها لمدعيها عند إصابة علامتها، كما يرى الشافعية جواز تسليمها إذا غلب على ظن الملتقط صدق مدعيها، واستدلوا بقوله -ﷺ-: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك). وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الملتقط يجبر على تسليم اللقطة لصاحبها إذا وصفها بصفاتها المذكورة، سواء غلب على ظنه صدقه أم لا، ولا يحتاج إلى بينة، عملا بظاهر حديث زيد بن خالد الجهني السابق وفيه: (. . اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه) وقوله -ﷺ-: فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه) ولأنه من المتعذر إقامة البينة على اللقطة، لأنها ضاعت من صاحبها حال السهو والغفلة وليس عنده شهود في هذه الحالة، ويمكن أن يكون ذكر الأوصاف والعفاص والوكاء من البينة). انظر المسألة في: المغني (٨/ ٣١٢)، وتبيين الحقائق (٣/ ٣٠٦).
(٤) بداية المجتهد (٢/ ٣٠٦).
[ ٨ / ١٣٩ ]
دفعت له] (١). عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [اتفق الأئمة الأربعة على أنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥).
قال ابن حزم: (فإن جاء من يقيم عليه بينة، أو من يصف عفاصه، ويصدق في صفته، ويصف وعاءه ويصدق فيه، . . . دفعها إليه) (٦).
قال الماوردي: (وصورتها في رجل ادعى لقطة في يد واجدها، فإن أقام البينة العادلة على ملكها وجما تسليمها له، وإن لم يقم بينة لكن وصفها فإن أخطأ في وصفها لم يجز دفعها إليه) (٧).
قال ابن قدامة: (فإذا جاء صاحبها فنعتها، غلب على ظنه صدقه، فيجوز الدفع إليه حينئذ) (٨). قال ابن الهمام: (وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة) (٩). قال القرافي: (إذا وصف عفاصها، ووكاءها، وعدتها، أخذها وجوبًا) (١٠).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة وهو البينة اعتبارًا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة لقوله -ﷺ-: (فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه) (١١).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٦٩).
(٢) حاشية الروض المربع (٥/ ٥١٤).
(٣) فتح القدير (٦/ ١٢٩ - ١٣٠)، وتبيين الحقائق (٣/ ٣٠٦).
(٤) الحاوي الكبير (٨/ ٢٣).
(٥) المحلى (٨/ ٢٥٧).
(٦) المحلى (٨/ ٢٥٧).
(٧) الحاوي الكبير، (٨/ ٢٣).
(٨) المغني، (٨/ ٣٠٨).
(٩) شرح فتح القدير، (٦/ ١٢٩).
(١٠) الذخيرة، (٩/ ١١٧).
(١١) سبق تخريجه.
[ ٨ / ١٤٠ ]
الثاني: لم يذكر البينة في شيء من الحديث ولو كانت شرطًا للدفع لم يجز الإخلال به ولا الأمر بالدفع بدون. ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر، لأنها إنما تسقط حال الغفلة والسهو، فتوقف دفعها عليها منع لوصولها إلى صاحبها أبدًا، وهذا يفوت مقصود الالتقاط، ويفضي إلى تضييع أموال الناس، وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه (١).
النتيجة: صحة الإجماع على أن اللقطة لا تدفع إلى مدعيها إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء، وذلك لعدم المخالف (٢).