• المراد بالمسألة: أن يسير اللقطة، وهي التي لا تتبعها همة أوساط الناس يجوز الانتفاع بها، ولو من دون تعريف.
• من ذكر الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، (٢).
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء لها فإنها تعرف حولًا كاملًا] (٣).
النووي (٦٧٦ هـ) قال: [أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال. . لأنه -ﷺ- إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه] (٤).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٥)، وابن المنذر (٦).
قال ابن المنذر: (اختلف أهل العلم في اللقطة اليسيرة يجدها المرء،
_________________
(١) المصدر السابق (٨/ ٣٣٢).
(٢) المغني (٨/ ٢٩٦).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٦٨).
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٣٥).
(٥) شرح فتح القدير (٦/ ١٢٢)، والمبسوط (١١/ ٢)، والبناية (٦/ ٧٧٣).
(٦) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٦٩).
[ ٨ / ١٤٦ ]
فرخصت طائفة فيها إذا كانت يسيرة أن ينتفع بها، ويدع تعريفها) (١).
قال السرخسي: (ثم ما يجده نوعان، أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به) (٢) قال العمراني: (فإن كانت يسيرة بحيث يُعلَم أن صاحبها لو علم أنها ضاعت منه لم يطلبها، كزبيبة أو تمرة وما أشبهها، لم يجب تعريفها، وله أن ينتفع بها في الحال) (٣).
قال ابن رشد: (. . . أن يكون يسيرًا لا بال له، ولا قدر لقيمته، ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته، فهذا لا يعرّف عنده، وهو لمن وجده) (٤).
قال ابن الهمام: (وإن كانت اللقطة شيئًا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف) (٥).
قال الموصلي: (وإن كانت حقيرة كالنوى وقشور الرمان ينتفع به من غير تعريف) (٦).
قال القرافي: (وقال (أي الإمام مالك): لا أحب أخذ اللقطة إلا أن يكون لها قدر) (٧). قال عبد الرحمن بن قاسم: (فأما الرغيف والسوط. . . ونحوهما كشسع النعل، فيملك بالالتقاط بلا تعريف، ويباح الانتفاع به) (٨).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن جابر -﵁- قال: (رخص لنا رسول اللَّه -ﷺ- في العصا
_________________
(١) الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف، (١١/ ٣٧٨).
(٢) المبسوط، (١١/ ٢).
(٣) البيان في مذهب الإمام الشافعي، (٧/ ٥١٤).
(٤) بداية المجتهد، (٢/ ٣٠٨).
(٥) شرح فتح القدير، (٦/ ١٢٢).
(٦) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٣٣).
(٧) الذخيرة، (٩/ ٨٩).
(٨) حاشية الروض المربع، (٥/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
[ ٨ / ١٤٧ ]
والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) (١).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على الإذن بالانتفاع باليسير مما يلتقطه الإنسان.
الثاني: عن أنس -﵁- قال: مرَّ النبي -ﷺ- بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها) (٢).
• وجه الاستدلال: فيه دليل على جواز التقاط الشيء اليسير من دون تعريف، كالتمرة ونحوها.
الثالث: ما ورد عن جملة من الصحابة أنهم تمتعوا بيسير اللقطة من دون تعريف وهم:
١ - ابن عمر -﵁- أنه رأى تمرة مطروحة في السكة فأخذها فأكلها (٣).
٢ - وعلي بن أبي طالب -﵁-: التقط حب رمان فأكله (٤).
٣ - وعن ميمونة أم المؤمنين أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: (لا يحب اللَّه الفساد) (٥).
٤ - وعن سلمى بنت كعب قالت: وجدت خاتمًا من ذهب في طريق مكة،
_________________
(١) رواه: أبو داود رقم (١٧١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل اللقطة، رقم (٦/ ١٩٥)، وفي سنده المغيرة بن زياد قال في التقريب: صدوق له أوهام. انظر: لسان الميزان (١/ ٣٧٢). والحديث ضعفه ابن حجر، فتح الباري (٥/ ٨٥) والألباني، سنن أبي داود، رقم (١٧١٧)، وعبد القادر الأرناؤوط، جامع الأصول، رقم (٨٣٧٦).
(٢) رواه: البخاري رقم (٢٤٣١)، ومسلم رقم (١٠٧١).
(٣) رواه: ابن حزم في المحلى (٨/ ٢٦٦).
(٤) المصدر السابق (٨/ ٢٦٦).
(٥) رواه: ابن أبي شيبة، في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، باب ما رخص فيه من اللقطة (٢٢٠٧٣)، وضعفه الألباني واستغرب من سكوت الحافظ عن تضعيفه مع أن الراوي عن أم المؤمنين مجهول. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١٣/ ١٠٥٣).
[ ٨ / ١٤٨ ]
فسألت عائشة عنه، فقالت: (تمتعي به) (١).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذا المسألة: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والشوكاني (٤)، فذهبوا إلى تعريف يسير اللقطة وكثيرها.
قال ابن المنذر: (وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها) (٥).
وقال النووي: (وعندنا أن القليل إذا كان يطلب في العادة وجب التعريف به كالكثير مدة التعريف المنصوص عليها وهي سنة) (٦).
• دليلهم: احتج المخالفون بما يلي:
١ - عموم الأحاديث الواردة في التعريف، ولا فرق بين ما له قيمة، وما لا قيمة له (٧).
٢ - قول النبي -ﷺ-: (من التقط لقطة يسيرة حبلًا أو درهمًا أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام) وفي رواية: (فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها) (٨).
_________________
(١) رواه: ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، باب ما رخص فيه من اللقطة، رقم (٢٢٠٨٠)، قلت وفيه: شريك بن عبد اللَّه القاضي. معروف فيه لين. والحديث حسن، وذلك لمتابعة أبو عوانة، عند ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٥١) قال: حدثنا الحميدى قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا: أبو عوانة عن زهير بن أبي ثابت عن سلمى بنت كعب فذكر نحوه، وفيه: (فوجدت خاتما من ذهب).
(٢) اللباب شرح الكتاب، القدوري (١/ ٣٥٧).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٤٧٠)، والمجموع (١٣/ ١٢٣).
(٤) نيل الأوطار (٦/ ٨٨).
(٥) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٣٧٠).
(٦) المجموع (١٥/ ٢٦٢).
(٧) المصدر السابق (١٥/ ٢٦٢).
(٨) رواه: أحمد (١٧٥٦٦)، والبيهقي، كتاب، باب ما جاء في يسير اللقطة، رقم (٦/ ١٩٥) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٣/ ٧٥٦)، وقد حاول الشوكاني في: نيل الأوطار (٦/ ٨٨) تحسينه، قال: (وفي إسناده عمر بن عبد اللَّه بن يعلى وقد صرح =
[ ٨ / ١٤٩ ]
• وجه الاستدلال: أنه نص على تعريف القليل والكثير من دون فرق (١).
٣ - عن أبي سعيد -﵁- أن عليًا -﵁- جاء إلى النبي -ﷺ- بدينار وجده في السوق، فقال النبي -ﷺ-: (عرّفه ثلاثًا، فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: كله) (٢).
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمره أولًا بتعريف الدينار فدل على عدم جواز الاتفاع بيسير اللقطة.
٤ - عن ابن عباس: (من وجد لقطة من سقط المتاع سوطًا أو نعلين أو عصا أو يسيرًا من المتاع فليستمتع به ولينشده، فإن كان ودكًا فليأتدم به ولينشده، فإن جاء صاحبه فليغرم له) (٣).
• وجه الاستدلال: أنها فتوى صحابي في وجوب تعريف اليسير والكثير، وأن من استمتع باليسير ثم ظهر صاحبه غرمه.
قال الشوكاني: (وينبغي أيضًا أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكور فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثًا حملًا للمطلق على المقيد، وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء
_________________
(١) = جماعة بضعفه، ولكنه فد أخرج له ابن خزيمة متابعة، وروى عنه جماعات، وزعم ابن حزم انه مجهول، وزعم هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان، قال الحافظ: وهو عجب منهما لأن يعلى صحابي معروف الصحبة، قال ابن رسلان: ينبغي أن يكون هذا الحديث معمولًا به لأن رجال إسناده ثقات، وليس فيه معارضة للأحاديث الصحيحة بتعريف سنة، لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة، وتعريف الثلاث رخصة تيسيرًا للملتقط، لأن الملتقط اليسير والرخصة لا تعارض العزيمة بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول).
(٢) المجموع (١٥/ ٢٦٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب اللقطة، باب أحلت اللقطة، رقم (١٨٦٣٦)، قلت وهو عند أبي داود، كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة، رقم (١٧١٤) و(١٧١٥) و(١٧١٦)، وليس فيه لفظة التعريف.
(٤) رواه: ابن حزم في المحلى (٨/ ٢٦٦).
[ ٨ / ١٥٠ ]
الحقير مأكولًا، فإن كان مأكولًا جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلًا كالتمرة ونحوها) (١).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز الانتفاع بيسير اللقطة، وذلك لوجود الخلاف في المسألة (٢).