• المراد بالمسألة: أن الملتقط لا يعطي اللقطة بعد تملكها غنيًا غيره، فإن اللقطة إذا أراد أن يتملكها الملتقط فيشترط أن لا يكون غنيًا، وإذا أراد أن يتصدق بها فلا يتصدق على غني، وذلك للنص.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [قول بعضهم: قد صح الإجماع على أنه لا يعطيها غنيًا غيره] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣).
قال الكاساني: (. . . ولو أراد أن ينتفع بها، فإن كان غنيًا لا يجوز أن ينتفع بها عندنا) (٤). قال ابن الهمام: (وإن كان الملتقط غنيًا لم يجز له أن ينتفع بها) (٥).
قال الموصلي: (ولا يتصدق بها على غني) (٦).
_________________
(١) المحلى (٨/ ٢٥٧).
(٢) المحلى (٦/ ٥٤٧)، وابن حزم يقصد بذلك بعض علماء الحنفية، ولم أقف على نسبة من حكى الإجماع فيما بين يدي من مصادر الحنفية. لكن قال العيني في البناية في شرح الهداية (٦/ ٧٨٧): (ولا يصدق باللقطة على غني لأن المأمور هو التصدق بقوله ﵇ (فإن لم يأت) يعني صاحبها (فليصدق به). . والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة حيث لا يصح على غني).
(٣) بدائع الصنائع (٦/ ٢٠٢)، وشرح فتح القدير (٦/ ١٣١).
(٤) بدائع الصنائع (٦/ ٢٠٢).
(٥) شرح فتح القدير (٦/ ١٣١).
(٦) الاختيار لتعليل المختار، ٣/ ٣٣.
[ ٨ / ١٥٩ ]
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا تحل اللقطة فمن التقط شيئًا فليعرفه سنة، فإن جاءه صاحبها فليردها عليه، وإن لم يأت فليتصدق) (١).
• ووجه الاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه نفي الحل مطلقًا، وحالة الفقر غير مراده بالإجماع، فتعين حالة الغني.
ثانيهما: أنه أمر بالتصدق، ومصرف الصدقة هو الفقير دون الغني، وأن الانتفاع بمال المسلم بغير إذنه لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة إذا كان غنيًا (٢).
الثاني: أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه؛ لإطلاق النصوص والإباحة للفقير (٣).
الثالث: النصوص المطلقة مثل: قوله ﷾: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. كلها تفيد حرمة أكل المال بالباطل، والغني في هذه الصورة إنما يأكل المال بالباطل (٤).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الشافعية (٥)،
_________________
(١) رواه: ابن حزم، في المحلى (٨/ ٢٦٦)، وفيه يوسف بن خالد السمتي وأبوه، وهما مجهولان، انظر: لسان الميزان (٣/ ٣٥٠)، والدراية، ابن حجر (٢/ ١٤٠)، ونصب الراية، الزيلعي (٣/ ٤٦٨).
(٢) وبدائع الصنائع (٦/ ٢٠٢).
(٣) شرح فتح القدير (٦/ ١٣١).
(٤) شرح فتح القدير (٦/ ١٣٢).
(٥) الأم (٥/ ١٣٩)، والحاوي الكبير (٨/ ٩)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي (٧/ ٥٣١)، ومغني المحتاج (٢/ ٤١٥)، والمجموع (١٥/ ٢٦٣)، ومعرفة السنن والآثار (٥/ ٢٥).
[ ٨ / ١٦٠ ]
والمالكية (١)، والحنابلة (٢)، وابن عبد البر (٣).
قال الماوردي: (يجوز لواجد اللقطة بعد تعريفها حولًا أن يتملكها ويأكلها غنيًا كان أو فقيرًا) (٤).
قال العمراني: (وإذا عرّف الملتقط اللقطة لسنة، فقد ذكرنا أن له أن يحفظها على صاحبها، وله أن يختار تملكها سواء كان الواجد غنيًا أو فقيرًا) (٥).
قال ابن رشد: (واختلفوا في الغني هل له أن يأكلها أو ينفقها بعد الحول؟ فقال مالك والشافعي: له ذلك) (٦).
قال القرافي: (وإذا قلنا بالتملك مطلقًا في سائر البقاع، فهل يسوى بين الملتقطين؟ المذهب: التسوية) (٧). قال ابن مفلح: (ولا فرق بين كون الملتقط غنيًا أو فقيرًا) (٨).
قال المرداوي (٨٨٥ هـ): (ولا فرق بين كون الملتقط غنيًا أو فقيرًا، مسلمًا كان أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، يأمن نفسه عليها) (٩).
قال الخطيب الشربيني: (ولا فرق عندنا في جواز تملك اللقطة بين الهاشمي وغيره، ولا بين الفقير وغيره) (١٠). قال البهوتي: (ولا فرق. . . بين كون الملتقط غنيًا أو فقيرًا) (١١).
_________________
(١) بداية المجتهد (٢/ ٣٠٦)، والذخيرة (٩/ ١١٥).
(٢) الواضح في شرح مختصر الخرقي (٢/ ٣٧٣)، والمبدع في شرح المقنع (٥/ ٢٨٩)، وكشاف القناع (٤/ ١٨٩)، والإنصاف (٦/ ٤٢٤).
(٣) الاستذكار (٢٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٤) الحاوي الكبير (٨/ ٩).
(٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٧/ ٥٣١).
(٦) بداية المجتهد (٢/ ٣٠٦).
(٧) الذخيرة (٩/ ١١٥).
(٨) المبدع في شرح المقنع (٥/ ٢٨٩).
(٩) الإنصاف (٦/ ٤٢٤).
(١٠) مغني المحتاج (٢/ ٤١٥).
(١١) كشاف القناع (٤/ ١٨٩).
[ ٨ / ١٦١ ]
• دليلهم: يستند الخلاف على عدة أدلة، منها:
الأول: أمرُ النبي -ﷺ- أبيَ بن كعب -﵁- وهو أيسر أهل المدينة، أو كأيسرهم، وقد وجد صرة فيها ثمانون دينارًا أن يأكلها (١).
• وجه الاستدلال: فإذا جاز للملتقط أكلها فالتصدق بها على غيره ولو كان فقيرًا جائز.
الثاني: قوله -ﷺ- في حديث زيد بن خالد الجهني -﵁-: (فشأنك بها) ولم يفصل بين الغني والفقير (٢).
فيه دليل على أنه: يقتضي التسوية بين الغني والفقير (٣).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الملتقط الغني لا يستنفق اللقطة، ولا يعطيها لغني آخر، وذلك للخلاف القوي في المسألة.
* * *
_________________
(١) سبق تخريجه، وقد أجاب الحنفية عن حديث أبيّ فقالوا: (وأما انتفاع أبي بن كعب -﵁- فكان بإذن الإمام، وهو جائز بإذن الإمام).
(٢) الذخيرة (٩/ ١١٧).
(٣) الحاوي الكبير (٨/ ٩).
[ ٨ / ١٦٢ ]