• المراد بالمسألة: أن الوقف الصحيح هو ما كان معلوم الابتداء والانتهاء، مثل أن يجعل نهايته إلى جهة لا تنقطع؛ كأن يجعل آخره على المساكين، أو طائفة منهم، فإنه يمتنع بحكم العادة انقراضهم، وإن قال: وقفت شيئًا على شخص معين لمدة سنة، ثم على الفقراء صح الوقف أيضًا لأنه غير منقطع.
_________________
(١) = آخر من سبل الخير، فقال: لولا أني ذكرتها له، وأمرني بما شرطت فيها لرددتها إلى سبيل آخر إذ لم يتحدد ثم ضرورة إلى ردها إلى ملكه، ولا زهادة في الخير، بل كان يزداد على مر الأيام حرصا على الخيرات، ورغبة في الصدقات وزهادة في الدنيا. ولا يصح مثل هذا عن عمر. .]. قال الشوكاني (٦/ ١٣١) قال: [وأيضا هذا الأثر منقطع لأن الزهري لم يدرك عمر فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره]. قال أبو الطيب: في التعليق المغني على الدارقطني (٤: ٦٨): [وكأنه أشار إلى فعلهم في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه كانوا إذا كرهوا النساء لقبح أو قلة مال حبسوهن عن الأزواج لأن أولياء الميت أولى بهن عندهم]. وقال الطرابلسي في كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف (ص: ١٣): [وأما الجواب على قوله -ﷺ- (لا حبس عن فرائض اللَّه) فنقول: إنه محمول على أنه لا يمنع أصحاب الفرائض عن فروضهم التي قدرها اللَّه لهم في سورة النساء بعد الموت بدليل نسخها لما كانوا عليه من حرمانهم الإناث قبل نزولها وتوريثهم بالمواخاة والموالاة مع وجودهن].
(٢) انظر المسألة في: تبيين الحقائق (٣/ ٣٢٤)، وشرح معاني الآثار (٤/ ٩٦ وما بعدها)، وأحكام القرآن، ابن العربي (٢/ ٦٩٨)، وكشاف القناع (٤/ ٢٦٧).
[ ٨ / ١٦٨ ]
• من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملة ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف في صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع مثل أن يجعل على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم] (١).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥)، وابن تيمية (٦).
قال الكاساني: (يصح مضافًا إلى ما بعد الموت فيصح منجزًا وكذا لو اتصل به قضاء القاضي يجوز) (٧).
قال ابن الهمام: (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره لجهة لا تنقطع أبدًا كالمساكين ومصالح الحرم والمساجد، بخلاف ما لو وقف على مسجد معين ولم يجعل آخره لجهة لا تنقطع لا يصح لاحتمال أن يخرب الموقوف عليه) (٨).
قال القرافي: (متى كان الوقف على قربة صح، أو معصية بطل. . . فإن عرا عن المعصية ولا ظهرت القربة صح، لأن صرف المال في المباح مباح، وكرهه مالك، لأن الوقف باب معروف فلا يعمل غير معروف) (٩).
قال الدردير: (لا يباع عقار حبس أي لا يجوز بيعه ولا يصح وإن خرب وصار لا ينتفع به وسواء كان دارًا أو حوانيت أو غيرها ولو بغيره من جنسه كاستبداله بمثله غير خرب، فلا يجوز، ولا يجوز بيع نقضه من أحجار أو أخشاب، فإن تعذر عودها فيما حبست فيه جاز نقلها في مثله، هذا في الوقف الصحيح) (١٠).
_________________
(١) المغني (٨/ ٢١٠).
(٢) الهداية شرح البداية (٣/ ١٧).
(٣) الشرح الصغير (٤/ ١٢١) وما بعدها.
(٤) المهذب (١/ ٥٧٥).
(٥) المحلى (٩/ ١٧٥).
(٦) مجموع الفتاوى (٣١/ ٢١٢)، والاختيارات (ص ٢٩٥).
(٧) بدائع الصنائع، (٦/ ٢١٩).
(٨) شرح فتح القدير، (٦/ ٢١٣).
(٩) الذخيرة (٦/ ٣١٢).
(١٠) الشرح الصغير، (٤/ ١٢٧).
[ ٨ / ١٦٩ ]
قال الجويني: (ومذهب الإمام الشافعي أن الوقف إذا استجمع شرائطه صحيح لازم، لا يتوقف لزومه على تسجيل من جهة قاض، ويصح منجزه في الحياة ومنفذه في الوصية بعد الوفاة) (١).
قال الشيرازي: (ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح) (٢).
قال ابن حزم: (الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها وفي الأرحاء وفي المصاحف والدفاتر ويجوز أيضًا في العبيد والسلاح والخيل في سبيل اللَّه ﷿ في الجهاد فقط لا في غير ذلك) (٣).
قال ابن تيمية: (ويصح الوقف بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا كجعل أرضه مسجدًا أو الإذن للناس بالصلاة فيه، أو أذن فيه وأقام، ونقله أبو طالب وجعفر وجماعة عن أحمد، أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، ونص عليه أحمد أيضًا، ومن قال: قريتي التي بالثغر لمواليّ الذين بها ولأولادهم: صح وقفًا) (٤).
• مستند الإجماع: يمكن أن يستدل لهذا الإجماع بعدة أدلة، منها:
الأول: عن ابن عمر -﵄- قال: (أصاب عمر -﵁- أرضًا بخيبر فأتى النبي -ﷺ- فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. .) (٥)
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر عمر -﵁- بتحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وجعلها في أقاربه.
الثاني: أن معنى الوقف هو التحبيس على جهة فيها بر وطاعة، فلا يتفق
_________________
(١) نهاية المطلب، (٨/ ٣٤٠).
(٢) المهذب (١/ ٥٧٥).
(٣) المحلى (٩/ ١٧٥).
(٤) الاختيارات (ص ٢٩٥).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٨ / ١٧٠ ]
أن يقال في صفة الوقف التأقيت، أو إلى جهة منقطعة.
النتيجة: صحة الإجماع في أن صفة الوقف الصحيح هو ما كان معلوم الابتداء والانتهاء، وأن يكون إلى جهة لا تنقطع (١).