• المراد بالمسألة: تنازع أهل العلم في جواز الوقف على جهة مباحة، كالوقف على الأغنياء على قولين مشهورين، إلا أنهم اتفقوا على عدم جوازه على المعصية ولا اشتراطها فيه مطلقًا، سواء كان على معين، واحدًا أو جماعة؛ كجعل غلته في ثمن خمر لفلان، أو كان على جهة معصية؛ ككنيسة ونحوها.
• من نقل الاتفاق:
١ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [. . فإذا كانت منهيًا عنها لم يجز الوقف عليها ولا اشتراطها في الوقف: باتفاق المسلمين] (٤).
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملة ذلك أن الوقف لا يصح. . على معصية؛ كبيت النار والبيع والكنائس والإنجيل وكتب التوراة والإنجيل؛
_________________
(١) المغني (٨/ ٢٣٠).
(٢) مغني المحتاج (٢/ ٣٧٩).
(٣) انظر المسألة في: اللباب شرح الكتاب (٢/ ٤٧)، وأشرف المسالك (١/ ٢٥٩).
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٨).
[ ٨ / ١٧٢ ]
لأن ذلك معصية. . وسواء كان الواقف مسلمًا أو ذميًا. . وهذا مذهب أحمد والشافعي ولا نعلم فيه خلافًا] (١).
٣ - ابن القيم (٧٥١ هـ) قال: [فإن الوقف لا يصح إلا في قربة، وطاعة اللَّه ورسوله -ﷺ-، فلا يصح الوقف على مشهد، ولا قبر يسرج عليه ويعظم، وينذر له، ويحج إليه، ويعبد من دون اللَّه ﷾، ويتخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم] (٢).
٤ - المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [والوقف على قناديل البيعة أو معابد البوذيين أو دور الهندوك. . باطل. ولا نعلم فيه خلافًا] (٣)
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥).
قال القرافي: (متى كان الوقف على قربة صح، أو معصية بطل كالبيع وقطع الطريق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]، فإن عرا عن المعصية ولا ظهرت القربة صح، لأن صرف المال في المباح مباح، وكرهه مالك، لأن الوقف باب معروف فلا يعمل غير
_________________
(١) المغني (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
(٢) زاد المعاد (٣/ ٥٠٧).
(٣) تكملة المجموع شرح المهذب (١٥/ ٣٢٩)، وعبارته: (والوقف على قناديل البيعة أو معابد البوذيين أو دور الهندوك أو محافل البهائيين أو القاديانيين أو أي معبد يقوم على غير أصل الإسلام وخلوص الوحدانية من شوائب الزيغ باطل. وقال أحمد بن حنبل في نصارى وقفوا على البيعة ضياعًا كثيرة وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى، فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم، وهذا هو مذهب الشافعي -﵁- ولا نعلم فيه خلافًا، ولأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي، كالوقف على غير معين) اهـ.
(٤) الهداية (٣/ ١٧).
(٥) الذخيرة (٦/ ٣١٢).
[ ٨ / ١٧٣ ]
معروف) (١).
وقال الدردير: (وبطل الوقف من كافر لمسجد ورباط ومدرسة من القرب الإسلامية، وأما وقف الذمي على كنيسة فإن كان على مرمتها أو على المرضى بها فالوقف صحيح معمول به، فإن ترافعوا إلينا حكم بينهم بحكم الإسلام أي من إمضائه وإن كان على عبادها حكم ببطلانه كذا نقل عن ابن رشد) (٢).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: قول اللَّه ﷾: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الوقف على المعصية يعد من التعاون على الإثم والعدوان، فكان منهيًا عنه.
الثاني: أن المقصود من الوقف القربة، والمعصية نقيضها (٣).
الثالث: أن الوقف يراد به نفع الموقوف عليه، والمعصية ليست نفعًا بل يزداد بها عقابًا (٤).
النتيجة: صحة الإجماع في عدم جواز الوقف على ما ليس بطاعة (٥).