• المراد بالمسألة: وقع الخلاف في الوقف هل هو حبس الرقبة على ملك اللَّه ﷾؟ أم على ملك الموقوف وإن كان ملكًا ضعيفًا؟ أما وقفُ المسجد فإنه ليس ملكًا لواقفه ولا لأحد من الناس، بل هو ملك للَّه ﷾، ولذلك لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه؛ إلا إذا تعطل، فقد اختلف الفقهاء في جواز بيعه أو التصرف فيه للأصلح.
• من نقل الاتفاق: القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [واتفق العلماء في المساجد أن وقفها إسقاط ملك؛ كالعتق فلا ملك لمخلوق فيها] (٣).
_________________
(١) انظر المسألة في: الدر المختار (٣/ ٤٠١)، وحاشية العدوي على الخرشي (٧/ ٩٩)، ومغني المحتاج (٢/ ٣٨٥)، ومطالب أولي النهى (٤/ ٣٤٠). ومذهب الشافعية والحنابلة أنهم يفرقون بين أن يؤجر المتولي العين الموقوفة على غيره، والعين الموقوفة عليه. ففي الحالة الأولى: لا يجوزون له أن يؤجرها بأقل من أجرة المثل. وأما في الحالة الثانية: فإن ذلك له، قياسا أولويًا على صحة الإعارة منه، كما هو عند الشافعية، وباعتبار انتقال ملكية المنافع للموقوت عليه عند الشافعية والحنابلة.
(٢) انظر المسألة في: كشاف القناع (٤/ ٢٦٠)، وشرح منتهى الإرادات (٢/ ٥٠١).
(٣) الفروق (٢/ ٢٠٩)، (الفرق التاسع والسبعون)، وقال في الذخيرة (٦/ ٣٢٨): (حكي الإجتماع في المساجد أن وقفها إسقاط، كالعتق).
[ ٨ / ١٧٩ ]
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤).
قال السرخسي: (وقد وجدنا لهذا الطريق أصلًا في الشرع وهو الكعبة فتلك البقعة للَّه تعالى خالصة متحرزة عن ملك العباد فألحقنا سائر المساجد بها) (٥).
قال الشيرازي: (وإن وقف مسجدًا فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك، ولم يجز له التصرف فيه، لأن ما زال الملك فيه لحق اللَّه تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال) (٦).
قال البهوتي: (وينتقل الملك فيها إلى اللَّه تعالى إن كان الوقف على مسجد ونحوه، كمدرسة ورباط وقنطرة وخانكاه وفقراء وغزاة وما أشبه ذلك، وكذا بقاع المساجد والمدارس والقناطر والسقايات وما أشبهها، قال الحارثي: بلا خلاف) (٧).
قال ابن حزم: (الحبس ليس إخراجًا إلى غير مالك، بل إلى أجل المالكين وهو اللَّه تعالى كعتق العبد) (٨).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: قوله ﷾: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
• وجه الاستدلال: أن كل شيء للَّه، فكان فائدة هذه الإضافة اختصاصه به وانقطاع حق كل من سواه عنه (٩).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (٣/ ٣٧٥).
(٢) المهذب (١/ ٥٨١).
(٣) كشاف القناع (٤/ ٢٤٩).
(٤) المحلى (٩/ ١٧٨).
(٥) المبسوط، (١٢/ ٣٠).
(٦) المهذب (١/ ٥٨١).
(٧) كشاف القناع، ٤/ ٢١٥.
(٨) المحلى (٩/ ١٧٨).
(٩) فتح القدير، لابن الهمام (٦/ ٢١٨) بتصرف يسير.
[ ٨ / ١٨٠ ]
الثاني: لأن الجمعة والجماعات تقام في المساجد بصفة مستمرة، وهي لا تقام في المملوكات (١).
الثالث: أن المسجد لو خرب لا يعود لمالكه.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية في قول، وهو ظاهر مختصر خليل، وحكاه الدسوقي عن صاحب النوادر.
وقال: (والملك للواقف لا الغلة، فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه) وكذا حكاه صاحب منح الجليل، ونقل نص صاحب النوادر: (والمساجد والأحباس لم يخرجها مالكها إلى ملك أحد، وهي باقية على ملكه وأوجب تسبيل منافعها إلى من حبست عليه) ورجح هذا القول في الفواكه الدواني (٢).
• دليلهم: واستدل المالكية لخلافهم بأن لواقف المسجد منع الغير من التصرف فيه، ومنع التصرف ثمرة الملك. وأيضًا إنه وإن كانت الجماعات تقام فيها وهي لا تقام في المملوكات فإن المملوك الذي لا تصح فيه الجمع غير الموقوف مسجدًا، أما هو فتصح فيه (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في كون المسجد ملكًا للَّه ﷾، وليس ملكًا لأحد، وأما الخلاف الوارد فهو ضعيفٌ مصادم للإجماع الصريح والقوي (٤).