• المراد بالمسألة: أن الواقف بمجرد وقفه يكون الوقف لازمًا، ونافذًا، فليس من شرطه لزوم القبض، ولا يحتاج إلى حكم حاكم، وإنما بمجرد وقف المرء بالقول أو الفعل يأخذ أحكامه.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [. . فلم يلزم بمجرد القول كالصدقة وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول اللَّه -ﷺ- وإجماع الصحابة] (٤).
٢ - القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [وثانيها اجماع الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- قال جابر بن عبد اللَّه: لم يكن أحد من الصحابة رضوان اللَّه عليهم له مقدرة إلا وقف وقفًا، وكتبوا في ذلك كتبًا، ومنعوا فيها من البيع والهبة، وأوقافهم مشهورة بالحرمين بشروطها وأحوالها ينقلها خلفهم عن سلفهم، فهم بين واقف وموافق فكان إجماعًا] (٥).
_________________
(١) مجمع الأنهر (١/ ٧٣٢).
(٢) فتح الباري (٧/ ٣٢٤).
(٣) شرح منح الجليل (٤/ ٣٤).
(٤) المغني (٨/ ١٨٥).
(٥) الذخيرة (٦/ ٣٢٤).
[ ٨ / ١٩٥ ]
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية (١)، ابن حزم من الظاهرية (٢).
قال الماوردي: (فإذا وقف شيئًا زال ملكه عنه بنفس الوقف ولزم الوقف، فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة، ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه، وليس من شرطه لزوم القبض ولا حكم الحاكم وهو قول الفقهاء أجمع) (٣).
قال ابن حزم ﵀: (والتحبيس وهو الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها وفي الأرحاء وفي المصاحف والدفاتر ويجوز أيضًا في العبيد والسلاح والخيل في سبيل اللَّه ﷿ في الجهاد فقط لا في غير ذلك) (٤).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن عمر -﵁- قال: أصبت أرضًا من أرض خيبر فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: أصبت أرضًا لم أصب مالًا أحب إلي ولا أنفس عندي منها، قال: (إن شئت تصدقت بها، فتصدق بها على أن لا تباع ولا توهب في الفقراء وذي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف غير متمول مالًا ويطعم) (٥).
• وجه الدلالة: أن عمر -﵁- جعل أرضه صدقة موقوفة، ثم ذكر أحكامها فدل ذلك على أن هذه الأحكام تتعلق بها إذا صارت وقفًا وإن لم يحكم حاكم (٦).
الثاني: القياس على الوصية فإنها تلزم من غير حكم حاكم، فكذلك
_________________
(١) الحاوي الكبير (٧/ ٥١١).
(٢) المحلى (٩/ ١٧٥).
(٣) الحاوي الكبير (٧/ ٥١١).
(٤) المحلى (٩/ ١٧٥).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) الحاوي الكبير (٧/ ٥١٣).
[ ٨ / ١٩٦ ]
يلزم الوقف حال الحياة من غير حكم حاكم (١).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: أبو حنيفة (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، فذهبوا إلى أن الوقف إنما يلزم بحكم حاكم، أو بوصية.
• دليلهم: ووجه ما ذهب إليه: أن الوقف جائز غير لازم، وأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرد اللفظ؛ كالهبة والوصية، فلا بد من حاكم (٤).
_________________
(١) المغني (٨/ ١٨٦).
(٢) تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي (٣/ ٣٢٥).
(٣) كشاف القناع (٤/ ٢٥٤).
(٤) التحقيق في أحاديث الخلاف، ابن الجوزي (٢/ ٢٦٦)، وعمدة القاري (٩/ ٤٨). قال المارودي: (قال القاضي: قد ناقض أبو حنيفة في هذا: لأنه جعل الوقف لازمًا في ثلثه في حال مرضه المخوف إذا أنجزه ولم يؤخره. ولا لازمًا في جميع ماله في حال صحته، لأن كل ما لزم في الثلث بوصية لزم فيه في مرضه إذا أنجزه وفي جميع ماله في حال صحته، مثل العتق فإنه إذا أوصى به لزم في ثلثه، وإذا أنجزه في مرضه لزم في ثلثه، وإذا أنجزه في حال صحته لزم في جميع ماله، واحتج بأشياء: أحدها: ما روي عن ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا حبس بعد سورة النساء). وروي أن عبد اللَّه بن زيد صاحب الأذان جعل حائطًا له صدقة، وجعله إلى رسول اللَّه -ﷺ- فأتى أبواه النبي -ﷺ- فقالا: يا رسول اللَّه، لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده رسول اللَّه -ﷺ- ثم ماتا فورثهما، فدل هذا على أن وقفه إياه لم يخرجه من ملكه، ولو كان قد أخرجه عن ملكه لم يصح الرد على أبويه، وروي عن شريح قال: جاء محمد -ﷺ- بإطلاق الحبس. وروي عن سلمان بن زيد، عن أبيه أن رجلًا وقف وقفًا فأبطله رسول اللَّه -ﷺ-، فلو كان قد لزم لم يصح إبطاله، ومن القياس أنه قصد إخراج ماله عن ملكه على وجه الصدقة فوجب أن لا يلزم لمجدد القول. أصله: صدقة التمليك، ولأنه عقد على منفعة فوجب أن لا يزول به الملك عن الرقبة قياسًا على الإجارة، ولأنه لو قال: هذه الأرض محرمة لا تورث ولا تباع ولا توهب لم يصر وقفًا، ولم يزل ملكه عنها، وقد أتى بصريح معنى الوقف، فإذا قال: وقفتها أو حبستها، أولى أن لا يزول ملكه عنها). الحاوي الكبير (٧/ ٥١٢) بتصرف يسير.
[ ٨ / ١٩٧ ]
ويرى أبو حنيفة أن الوقف إنما يلزم عنده باحد أمرين:
الأول: أن يحكم به القاضي.
والثاني: أن يخرجه مخرج الوصية.
النتيجة: صحة الإجماع في أن الوقف يلزم بمجرد القول أو الفعل، ولا يحتاج إلى حكم حاكم، لأن هذا إجماع الصحابة -﵃- فإنه لم يعلم فيهم مخالف، وأما مخالفة أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، فإنها مسوقة بالإجماع الصحيح عن الصحابة (١).