• المراد بالمسألة: أن كل من وقف شيئًا يعم المسلمين كالمسجد والمقبرة والسقاية، جاز له أن ينتفع بوقفه، فيصلي في المسجد، وله الشرب ونحوه من السقاية، وما كان في معنى هذه الوقوف فكذلك.
• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): [من وقف وقفًا صحيحًا فقد صارت منافعه للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها، إلا أن يكون قد وقف شيئًا للمسلمين فيدخل في جملتهم. . لا نعلم في هذا كله خلافًا] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
قال الشيرازي: (ولا يجوز أن يقف على نفسه ولا أن يشترط لنفسه منه شيئًا، وقال أبو عبد اللَّه الزبيدي يجوز لأن عثمان -﵁- وقف بئر رومة وقال: دلوي فيها كدلاء المسلمين، وهذا خطأ لأن الوقف يقتضي حبس العين وتمليك المنفعة، والعين محبوسة عليه ومنفعتها مملوكة له فلم يكن للوقف معنى، ويخالف وقف عثمان -﵁- لأن ذلك وقف عام، ويجوز أن يدخل في العام ما لا يدخل في الخاص، والدليل عليه أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي في المساجد وهي وقف على المسلمين، وإن كان لا يجوز أن يخص بالصدقة، ولأن في الوقف العام يدخل فيه من غير شرط، ولا يدخل في الوقف الخاص فدل على الفرق بينهما) (٥).
قال ابن الهمام: (ولو جعل له واحدًا مؤذنًا وإمامًا فأذّن وأقام وصلى
_________________
(١) المغني (٨/ ١٩١).
(٢) الهداية (٣/ ٢٢).
(٣) الذخيرة (٦/ ٣٣٥).
(٤) المهذب (١/ ٥٧٦) وروضة الطالبين (٧/ ٤٧٨)، وفتح الوهاب (١/ ٣٠٦)، وأسنى المطالب (٥/ ٥٢٢) ونهاية المحتاج (٥/ ٣٦٧).
(٥) المهذب (١/ ٥٧٦).
[ ٨ / ٢١٤ ]
وحده صار مسجدًا بالاتفاق) (١).
قال القرافي: (قال مالك: إذا حبس شيئًا في وجه، لا ينتفع به الواقف في ذلك الوجه لأنه رجوع في الموقوف وإن كان فيما جعل فيه، إلا أن ينوي ذلك حين الحبس) (٢).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: عن عثمان بن عفان -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (من يبتاع بئر رومة كفر اللَّه له) قال عثمان -﵁-: فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: قد ابتعت بئر رومة، قال: (فاجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك) (٣).
فهذا فيه إباحة انتفاع الواقف بما وقفه على عموم المسلمين.
الثاني: أنه يدخل في العموم ما لا يدخل في الخصوص، فإن النبي -ﷺ- كان يصلي في مساجد المسلمين، مع أنه لا يجوز أن يخص بالصدقة (٤).
النتيجة: صحة الإجماع في انتفاع الواقف بالوقف العام، كالمسجد وبئر الماء، وذلك لعدم وجود المخالف. واللَّه أعلم.