• والمراد بالمسألة: أنه لا يصح وقف الأشياء التي تتلف، ويدخلها الفساد، إما بنفسها، أو بالاستعمال، كالخبز، والطعام، والفاكهة.
• من نقل الاتفاق:
١ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن كل ما لا يصح الانتفاع به إلا بإتلافه؛ كالذهب والفضة والمأكول لا يصح وقفه] (٥).
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملته أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء
_________________
(١) حاشية الدسوقي، (٥/ ٤٦٠).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٥٢١).
(٤) انظر المسألة في: الهداية (٣/ ٢٢)، والدر المختار (٦/ ٦٠٣)، والمجموع، النووي، تكملة المطيعي (١٦/ ٢٥٠)، والإنصاف (٧/ ٤).
(٥) الإفصاح (٢/ ٥٢)، والإنصاف (٧/ ١٠١).
[ ٨ / ٢٣٣ ]
عينه، كالدنانير والدراهم، والمطعوم والمشروب، والشمع وأشباهه، لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم؛ إلا شيء يحكى عن مالك والأوزاعي في وقف الطعام أنه لا يجوز] (١).
٣ - شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) قال: [ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائمًا كالدراهم والدنانير والمطعوم والمشروب وأشباهه من الرياحين، لا يجوز وقفه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥).
قال الماوردي: (وهذا كما قال يجوز وقف العقار والدور والأرض والرقيق والماشية والسلاح وكل عين تبقى بقاء متصلًا ويمكن الانتفاع بها) (٦).
قال الموصلي: (وعن محمد جواز وقف ما جرى فيه التعامل كالفأس والقدوم والمنشار والقدور والجنازة والمصاحف والكتب بخلاف ما لا تعامل فيه كالثياب والأمتعة لأن من شرط الوقف التأبيد) (٧).
قال القرافي: (ويمتنع وقف الطعام، لأن منفعته في استهلاكه، وشأن الوقف بقاء العين) (٨).
• مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة، منها:
الأول: لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع إتلافه، فينافي مقصود الوقف الذي هو حبس الأصل وتسبيل الثمرة (٩).
_________________
(١) المغني (٨/ ٢٢٩).
(٢) الشرح الكبير (١٦/ ٣٧٧).
(٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٥٦).
(٤) مواهب الجليل (٧/ ٦٣١).
(٥) الحاوي الكبير (٩/ ٣٧٩)، ومغني المحتاج (٢/ ٣٧٧).
(٦) الحاوي الكبير، (٧/ ٥١٧).
(٧) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٤٢ - ٤٣).
(٨) الذخيرة، (٦/ ٣١٥).
(٩) الكافي (ص ٥١٢).
[ ٨ / ٢٣٤ ]
الثاني: ولأنه إذا قصد بوقف المطعوم بقاء عينه فإنه يؤدي إلى فساد المطعوم المؤدي إلى إضاعة المال (١).
الثالث: ولأنه ينافي شرط التأبيد لعدم دوامه (٢).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: مالك والأوزاعي (٣).
فقد روي عنهما أنهما ذهبا إلى جوازه في الطعام خاصة.
وقد ضعف الرواية عن مالك ابن قدامة وقال: (ولم يحكه أصحاب مالك، وليس بصحيح؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه ذلك) (٤).
النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يصح وقف ما تزول عينه بالانتفاع.
• ملحوظة: وهاهنا مسألة: وهي فيما يتعلق بعدم صحة وقف الدراهم والدنانير المذكورة سابقًا، وأن المقصود بذلك وقفها لاستهلاكها، أو التصدق بعينها، وأما إذا كان وقفها لأجل القرض أو المضاربة بها والتصدق بربحها على الوجه الذي وقفت عليه فهذا مما لا بأس به، وقد قال بهذا الحنفية والمالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).