• المراد بالمسألة: أن الهبة هي من جملة العقود، ومن شرط صحتها قبض الموهوب له للهبة حتى تكون نافذة، لأن القبض لثبوت الملك، فإذا لم يقبضها جاز للواهب الرجوع والتصرف فيها.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لرجل دارًا، أو أرضًا، أو عبدًا، على غير عوض، بطيب من نفس المعطي، وقبل الموهوب له ذلك، وقبضه، بدفع من الواهب ذلك إليه، وحازه: أن الهبة تامة] (٤).
ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن الهبة تصح بالإيجاب والقبول والقبض] (٥).
_________________
(١) رواه: البخاري رقم (٦٠٢١)، ومسلم رقم (٥٢)، من حديث حذيفة -﵁-.
(٢) رواه: البخاري، كتاب الهبة، باب القليل من الهبة، رقم (٢٥٦٨).
(٣) انظر المسألة في: أعلام الموقعين (٢/ ٢٨).
(٤) الإجماع (ص ١٥٤)، والإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٧٣ - ٧٤).
(٥) الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ٢١).
[ ٨ / ٢٤٥ ]
الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [القبض. . ولنا إجماع الصحابة وهو ما روينا أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر اعتبرا القسمة والقبض لجواز النُّحلى بحضرة الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر فيكون إجماعًا] (١).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [فإن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض. . ولنا إجماع الصحابة] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الشافعية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤)، والشوكاني (٥).
قال السرخسي: (. . . ثم الملك لا يثبت في الهبة بالعقد قبل القبض عندنا) (٦).
قال السمرقندي: (وأما ركن الهبة فهو الإيجاب والقبول. . . وأما شرائط الصحة: فمنها القبض حتى لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض) (٧).
قال الموصلي: (وتصح بالإيجاب والقبول والقبض، أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد تمليك ولا بد فيه منهما، وأما القبض فلأن الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرع شيء لم يلتزمه وهو التسليم) (٨).
قال القرافي: (لا تلزم الصدقة والهبة بالقبول وله الرجوع، ولا يقضى عليه، بل إنما يحصل الملك ويتعلق الحق بالقبض، والفرق بين الهبة فلا
_________________
(١) بدائع الصنائع (٦/ ١٣٣).
(٢) المغني (٨/ ٢٥٥)، وهي إحدى الروايتين عن أحمد في المكيل والموزون، والثانية مطلقًا.
(٣) شرح المحلي على المنهاج (٤/ ٢٨٧).
(٤) مراتب الإجماع (ص ١٧٢).
(٥) الدرر المضية (٢/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٦) المبسوط، (١٢/ ٤٨).
(٧) تحفة الفقهاء، (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٦).
(٨) الاختيار لتعليل المختار، (٣/ ٤٨).
[ ٨ / ٢٤٦ ]
تملك إلا بالقبض، ويكفي في الصدقة القبول لأنها للَّه تعالى) (١).
قال الخطيب الشربيني: (وشرط الهبة إيجاب وقبول لفظًا من الناطق مع التواصل المعتاد كالبيع) (٢).
قال البهوتي: (وتنعقد الهبة بإيجاب وقبول بأي لفظ دل عليهما، وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدل عليها أي الهبة) (٣).
قال الشوكاني: (وإلى اعتبار القبول في الهبة ذهب الشافعي ومالك والناصر والهادوية. . . وذهب الجمهور إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدي إليه إلا بأن يقبضها هو أو وكيله) (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن جابر بن عبد اللَّه قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول اللَّه -ﷺ- فأعيا جملي قال: فنزل منزلًا دون المدينة، قال: قلت: يا رسول اللَّه إني حديث عهد بعرس. . وذكر بعض الحديث، قال ثم قال لي: (بعني جملك هذا) قال: فقلت لا، هو لك، قال: (لا، بعنيه) قال: قلت لا، بل هو لك، قال: (لا، بل بعنيه) قلت: فإن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها. قال: (قد أخذته) (٥).
• وجه الاستدلال: أن فيه التصريح بأن الهبة لا تتم إلا بقبول الموهوب له من الواهب، حيث ردها النبي -ﷺ-.
الثاني: ما رُوي من قصة أبي بكر الصديق -﵁- في حديث هبته لعائشة حيث قال لها عند موته: (. . وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال
_________________
(١) الذخيرة، (٦/ ٢٣٠).
(٢) مغني المحتاج، (٢/ ٣٩٧).
(٣) كشاف القناع، (٤/ ٢٥١).
(٤) نيل الأوطار، (٦/ ١٠٢).
(٥) رواه: مسلم، كتاب المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه، رقم (٧١٥).
[ ٨ / ٢٤٧ ]
الورثة. .) (١).
• وجه الاستدلال: أن أبا بكر -﵁- استرد ما نحله لعائشة لكونها لم تقبضه، فدل على شرط القبض في صحة الهبة.
الثاني: عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال لها: (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك. وكان كما قال رسول اللَّه -ﷺ-) (٢)
• وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- علق رجوع هبته للنجاشي على عدم قبضها لها، وذلك بسبب موته، فدل على اشتراط القبض.
الثالث: ما روي عن عمر -﵁- أنه قال: (ما بال رجالٍ ينحلون أبناءهم نحلًا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدًا، وإن مات قال هو لابني قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها للمنحول له وأبقاها عنده حتى تكون إن مات لورثته فهي باطلة) (٣)
_________________
(١) رواه: مالك، في الموطأ، كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل، رقم (٢/ ٤٨٣)، والطحاوي، في شرح معني الآثار (٤/ ٣٨٠)، وشرح السنة، البغوي (٨/ ٣٠٢). وصححه الألباني. انظر: إرواء الغليل، رقم (١٦١٩).
(٢) رواه: أحمد، رقم (٢٧٢٧٦)، وابن حبان، كتاب الهبة رقم (٥١١٤)، وصحح الحاكم إسناده في المستدرك (٢/ ١٨٨) وتعقبه الذهبي، وقال: منكر فيه مسلم الزنجي ضعيف، انظر: لسان الميزان (٩/ ٤٢٢)، وضعفه الألباني أيضًا في إرواء، الغليل، رقم (١٦٢٠).
(٣) رواه: مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز في النحل، رقم (٢/ ٤٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الهبات، باب شرط القبض في الهبة، رقم (٦/ ١٦٩)، وابن حزم في المحلى: (٩/ ١٢٢)، وعبد الرزاق، كتاب الوصايا، باب النحل، رقم (١٦٥٠٩).
[ ٨ / ٢٤٨ ]
الرابع: إجماع الصحابة، فهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -﵃-، ولم ينقل عنهم في ذلك مخالف (١).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٢)، وأحمد في إحدى الروايتين (٣)، حيث ذهبوا إلى أن القبض ليس شرطًا في صحتها، بل في تمامها، فإن عُدم لم تلزم مع كونها صحيحة.
• دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه: أن الهبة من جملة العقود، والأصل في العقود أن لا قبض مشترط في صحتها حتى يقوم دليل على اشتراط القبض (٤).
ووجهوا ما روي عن عمر -﵁- من المنع، إنما هو من باب سد الذريعة، فيكون من شرط التمام لا الصحة.
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الهبة التامة لا تصح إلا بالقبض مع الإيجاب، وذلك لوجود الخلاف في المسألة.