١ - الإيمان بالرسل
- معنى الإيمان بالرسل:
الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله ﷿ بعث في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم جميعًا مرسلون صادقون.
وقد بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، منهم من أعلمنا الله باسمه، ومنهم من استأثر الله بعلمه.
- الفرق بين الرسول والنبي:
لفظ الرسول والنبي كلفظ الإسلام والإيمان، إذا اجتمعا فلكل واحد معنى، وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر.
فيطلق الرسول على النبي، ويطلق النبي على الرسول، فيكون معناهما واحدًا، وهذا هو الغالب.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة:٦٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
[ ١ / ١٨١ ]
وتارة يذكران معًا في آية واحدة، فيكون لكل واحد منهما معنى.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج:٥٢].
فالرسول: من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بإبلاغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.
والنبي: من أوحى الله إليه بشرع سابق ليعلِّمه من تركه، ويجدده.
فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا.
والذين ذكرهم الله في القرآن كلهم أنبياء ورسل.
- بعث الأنبياء والرسل:
لم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، ويعلِّمها من حوله.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
- حكم الإيمان بالأنبياء والرسل:
الإيمان بأنبياء الله ورسله أحد أركان الإيمان الستة.
فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل وتصديقهم، ومن كفر بواحد
[ ١ / ١٨٢ ]
منهم فقد كفر بهم جميعًا.
ويجب علينا تصديق ما صح عنهم من أخبار، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد، وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم، وهو سيدهم وخاتمهم الذي أرسله الله إلى الناس كافة محمد - ﷺ -.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١].
- حقوق الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل أفضل الخلق؛ لكمال إيمانهم .. وصدق يقينهم .. وحسن عبادتهم .. وحسن أخلاقهم .. وكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته وشرعه .. وإحسانهم إلى الخلق .. ورحمتهم للناس .. وصبرهم على دعوة الخلق إلى الدين .. وبذلهم كل ما يملكون في سبيل إعلاء كلمة الله، ليعبد الله وحده لا شريك له.
فحقوقهم علينا:
الإيمان بهم، وتصديقهم، ومحبتهم، والثناء عليهم من غير إطراء، وتوقيرهم، والصلاة والسلام عليهم عند ذكرهم، والاقتداء بهم في كمال التوحيد والإيمان، وحسن الخلق، والدعوة إلى الله، والاقتداء والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو محمد - ﷺ -.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
[ ١ / ١٨٣ ]
الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧].
- حكمة بعث الأنبياء والرسل:
بعث الله جميع الأنبياء والرسل لتحقيق ثلاثة مقاصد:
الأول: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل:٣٦].
الثاني: بيان الطريق الموصل إلى الله وإلى رضاه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢].
الثالث: بيان حال الناس بعد القدوم على ربهم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ
[ ١ / ١٨٤ ]
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ [الحج:٤٩ - ٥١].
- عدد الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرون.
والذين ذكرهم الله في القرآن قسمان:
الأول: مَنْ بَيَّن الله أسماءهم، وقص علينا أخبارهم، وهم خمسة وعشرون:
آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وأيوب، واليسع، ويونس، ولوط، وإلياس، وزكريا، ويحيى، وذو الكفل، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ذكر الله هؤلاء جميعًا في القرآن الكريم كما يلي:
١ - آدم - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه:١١٥].
٢ - ثمانية عشر ذكرهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٧].
[ ١ / ١٨٥ ]
٣ - إدريس - ﷺ -:
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم:٥٦].
٤ - هود - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥)﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٥].
٥ - صالح - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣)﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٣].
٦ - شعيب - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨)﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٨].
٧ - ذو الكفل - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [ص:٤٨].
٨ - محمد - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب:٤٠].
فهؤلاء خمسة وعشرون كلهم أنبياء ورسل.
الثاني: من لم نعلم أسماءهم، ولم يقص الله علينا أخبارهم.
وهؤلاء كثيرون لا يحصيهم ولا يعلمهم إلا الذي أرسلهم، فنؤمن بهم
[ ١ / ١٨٦ ]
إجمالًا؛ تصديقًا لخبر الله عنهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر:٧٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء:١٦٤ - ١٦٥].
- أولو العزم من الرسل:
أولو العزم من الرسل خمسة وهم:
نوح .. وإبراهيم .. وموسى .. وعيسى .. ومحمد .. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى:١٣].
وقد تميز هؤلاء بمواجهة عتاة البشرية: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].
- أفضل الأنبياء والرسل:
أفضل البشر هم المؤمنون .. وأفضل المؤمنين الأنبياء والرسل .. وأفضل
الأنبياء والرسل هم أولو العزم .. وأفضل أولي العزم سيد ولد آدم محمد - ﷺ -.
[ ١ / ١٨٧ ]
أعلم الخلق بالحق .. وأنصح الخلق للخلق .. وأفصح الخلق في البلاغ والبيان .. وأكملهم معرفة بالله وأسمائه وصفاته .. اجتمع في حقه:
كمال العلم بالحق .. وكمال الإيمان به .. وكمال الإرادة له .. وكمال القدرة على بيانه .. وكمال العمل به .. وكمال الدعوة إليه وكمال الصبر عليه .. فصلوات الله وسلامه عليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (١).
- أول الأنبياء والرسل:
أول الرسل من ذرية آدم نوح - ﷺ -.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
٢ - وعن أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - في حديث الشفاعة وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهْلِ الأرْضِ» متفق عليه (٢).
- آخر الأنبياء والرسل:
آخر الرسل إلى أهل الأرض محمد - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب:٤٠].
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٤٧١٢)، ومسلم برقم (١٩٤).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٣٤٠)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٩٤).
[ ١ / ١٨٨ ]
- تربية الأنبياء والرسل:
الله ﷿ يخلق ما يشاء ويختار، اصطفى من البشر رسلًا وأنبياء، علَّمهم ورباهم، وأرسلهم إلى عباده بدينه.
واشتملت تربيتهم ودعوتهم على أربعة أمور:
تحصيل الإيمان .. وحفظ الإيمان .. والاستفادة من الإيمان ونشر الإيمان.
فاجتهدوا لتحصيل الإيمان بالنظر والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، والعبادة والتزكية، وكثرة ذكر الله، حتى جاء في قلوبهم اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته، وأنه خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
وبذلوا من أجل الدين كل شيء، وصبروا على كل ذلك، فكمل الإيمان واليقين في قلوبهم.
ثم اجتهدوا لحفظ الإيمان بلزوم العبادة، والبيئات الصالحة، والعمل الصالح، والإكثار من ذكر الله، ومواصلة الدعوة إلى الله، وبذل كل جهد في سبيل إعلاء كلمة الله.
ثم اجتهدوا لقضاء حاجاتهم وحاجات الدين بالاستفادة من الإيمان، فيرون أن الله معهم حيثما كانوا، ويطلبون منه وحده كل شيء.
كما أغرق الله الكفار بدعاء نوح - ﷺ - .. وفتح البحر لموسى .. وفجر الحجر
بالماء لموسى .. وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم .. وخرج الماء من بين أصابع محمد - ﷺ - .. ونصره في غزوة بدر والأحزاب وحنين وغيرها.
[ ١ / ١٨٩ ]
وهكذا استفادوا من قدرة الله، ومن خزائن الله.
ثم اجتهدوا على نشر هذا الإيمان، وهذا اليقين بين أقوامهم، ومن أُرسلوا إليه، ليعبدوا الله وحده لا شريك له.
فالله ربى أنبياءه ورسله على هذا الإيمان، والأنبياء والرسل يربون أممهم على ذلك، فيزيد إيمانهم وإيمان أتباعهم، ويتحقق مراد الله من خلقه بعبادته وحده لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢].
- صفات الأنبياء والرسل:
١ - جميع الأنبياء والرسل رجال من البشر، اجتباهم الله واصطفاهم على سائر الناس، وفضّلهم بالنبوة والرسالة، وجمّلهم بأحسن الأخلاق.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل:٤٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران:٣٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤].
٢ - جميع الأنبياء والرسل أفضل الخلق إيمانًا وعلمًا، وعملًا وتعبدًا، وأخلاقًا وتواضعًا، فقد وصف الله سيدهم وأفضلهم بالعبودية والرحمة في كتابه.
١ - قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان:١].
[ ١ / ١٩٠ ]
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء:١٠٧].
٣ - جميع الأنبياء والرسل بشر مخلوقون.
يأكلون .. ويشربون .. وينسون .. وينامون .. ويمرضون .. ويموتون.
وهم كغيرهم من البشر لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم من الأمر شيء.
فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئًا من خزائن الله ﷻ، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.
لكنهم قدوة البشر في الإيمان، والطاعة، والعبادة، والعمل الصالح، والخلق الحسن.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف:١٨٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام:٥٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١].
٤ - الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوبًا، وأصدقهم إيمانًا، وأقواهم عبادة، وأذكاهم
عقولًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأكملهم دينًا، وأقواهم صبرًا، وأشدهم بأسًا، وأعظمهم رحمة، وأكملهم أجسامًا، وأحسنهم صورة، وأصدقهم حديثًا.
[ ١ / ١٩١ ]
١ - قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران:١٥٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
- خصائص الأنبياء والرسل:
خص الله الأنبياء والرسل بخصائص أهمها:
١ - أن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج:٧٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
٢ - أنهم معصومون فيما يبلغونه للناس من الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم:١ - ٥].
٣ - أنهم لا يورثون بعد موتهم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ أزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -،
أرَدْنَ أنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أبِي بَكْرٍ يَسْألْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: ألَيْسَ قَدْ
[ ١ / ١٩٢ ]
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» متفق عليه (١).
٤ - أنها تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم.
عَنْ أنَسَ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - في قصة الإسراء- وفيه: وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأنْبِيَاءُ تَنَامُ أعْيُنُهُمْ وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ. متفق عليه (٢).
٥ - أنهم يخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» متفق عليه (٣).
٦ - أنهم يقبرون حيث ماتوا.
عَنْ أَبي بَكْرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٌّ إِلاَّ حَيْثُ يَمُوتُ» أخرجه أحمد (٤).
٧ - أنهم أحياء في قبورهم يصلون.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ رَأيْتُنِي فِي الحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْألُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَألَتْنِي عَنْ أشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قال: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، أقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري برقم (٦٧٣٠) واللفظ له، ومسلم برقم (١٧٥٧).
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري برقم (٣٥٧٠) واللفظ له، ومسلم برقم (١٦٢).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٤٥٨٦)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٤٤٤).
(٤) صحيح/ أخرجه أحمد برقم (٢٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ) فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قال قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأنِي بِالسَّلامِ» أخرجه مسلم (١).
٨ - أن أزواجهم لا تنكح من بعدهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
٩ - أن الله يرسل الأنبياء والرسل من الرجال لا من النساء.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل:٤٣].
- إلى من بعث الله الأنبياء والرسل:
بعث الله جميع الأنبياء والرسل السابقين إلى أقوامهم خاصة.
وبعث الله محمدًا - ﷺ - إلى الناس كافة، والعالم أجمع.
فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضلهم، وأرسله الله رحمة للعالمين إلى يوم الدين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد:٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٧٢).
[ ١ / ١٩٤ ]
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ:٢٨].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء:١٠٧].
- الأصول التي دعا إليها الأنبياء والرسل:
جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد الخالص الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره، وأمروا الناس بعبادة الله وحده .. وأخبروا أممهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه .. ولا يملكون بسط الرزق لأحد .. ولا قبض الرزق عن أحد.
وأنذروا قومهم الآخرة، ورغَّبوهم في الجنة .. وحذروهم من النار .. وأمروهم بطاعة الله .. ونهوهم عن معصية الله .. ودعوا إلى مكارم الأخلاق.
فهذه الأصول التي دعا إليها كل رسول من رسل الله إلى عباده.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام:١٥١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية ٣٦].
- حاجة البشرية إلى الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل هم مصابيح الدجى، وينابيع الهدى في هذه الأرض، فهُدى
الله للبشر جاء بواسطتهم.
[ ١ / ١٩٥ ]
وما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الله الكتب إلا ليُحكم بها بين الناس، ليُعبد الله وحده، ويكون الدين كله لله.
وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وإحسانه، فما كان الله ليخلق بني آدم، ويجمعهم في الأرض، ثم يتركهم سدى، ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث إليهم رسولًا يبين لهم ما يتقون، وينزل عليهم كتابًا به يرشدون.
بل مَنَّ الله على البشرية كافة ببعثة الأنبياء والرسل إليهم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤].
- حاجة الإنسان إلى الدين:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وخلق فيه العين يبصر بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأصوات، والعقل يستفيد به من طاقات الأرض التي سخرها الله له، ويميز به بين البدائل الممكنة، وما كان الله ليدع هذا الإنسان وحده بدون منهج يعتمد عليه، ومبادئ يرجع إليها في أقواله وأفعاله، فالعقل لا يستقل بمعرفة ما ينفعه وما يضره، وتسيطر عليه رغباته وشهواته.
وليس العقل موكلًا بصياغة نظام للحياة، فهذا مجال الدين والشريعة التي تأتي من الله بواسطة رسله، فيؤمن بها، ويتبع ما جاءت به.
ومن ثم لا يكل الله الإنسان إلى العقل وحده، ولا إلى ما أودع في فطرته من معرفة ربه، ولجوئه إليه في الشدائد.
[ ١ / ١٩٦ ]
فهذه الفطرة قد تفسد بسبب الإغواء والتضليل والتزيين الذي يقوم به شياطين الإنس والجن.
إنما يكل الله الناس إلى وحيه المنزل على رسله، الذي كله هدى ورحمة وشفاء، يكمل به فطرتهم، ويصحح به عقولهم، ويجلو به غاشية الظلام الذي أصابهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام:١٠٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء:١٧٠].
- ثمرات الإيمان بالأنبياء والرسل:
معرفة الأنبياء والرسل، والإيمان بهم، له ثمرات:
منها: معرفة كمال رحمة الله بعباده، وعنايته بهم، حيث أرسل إليهم الرسل يأمرونهم بعبادة الله وحده، ويبينون لهم كيف يعبدونه.
ومنها: حمد الله وشكره على هذه النعمة.
ومنها: محبة الرسل، وتصديقهم، والثناء عليهم من غير إطراء؛ لأنهم رسل الله آمنوا بالله، وقاموا بعبادته، وإبلاغ رسالته، والنصح لعباده.
١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
[ ١ / ١٩٧ ]
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة:١٢٨].
٣ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاس أجْمَعِين» متفق عليه (١).
- فقه الإيمان بالأنبياء والرسل:
أكرم الله آدم - ﷺ - بكرامات:
فخلقه سبحانه بيده ونفخ فيه من روحه .. وأسجد له ملائكته .. وأسكنه جنته .. وجعله خليفة في الأرض.
وأكرم الله بني آدم بكرامات:
ففطرهم على التوحيد، ووهبهم العقول والأسماع والأبصار، وجعل منهم الأنبياء والرسل، وأرسلهم إلى خلقه بالدين، واصطفى الله هؤلاء الأنبياء والرسل، وجعلهم أئمة الناس في الخير والهدى، وحسن العبادة، وحسن الخلق.
والإيمان بالأنبياء والرسل ليس فقط اعتقادًا بالقلب، بل هو مع ذلك عمل إيجابي في تنفيذ جميع ما جاءوا به، وفيما وقفوا حياتهم كلها من أجله، وهو إبلاغ رسالة الله إلى عباده.
فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ودينه وشرعه مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس كافة.
والشرائع السابقة أكملها الله بالإسلام، ورسول الله جاء ليكمل اللبنة الناقصة
في البناء الإيماني، ليكمل البناء، ويكون صالحًا مفتوحًا لكل فرد من
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١٥) واللفظ له، ومسلم برقم (٤٤).
[ ١ / ١٩٨ ]
البشرية إلى يوم القيامة.
فما أعظم فضل الرب على الناس .. وما أعظم رحمته بهم وما أعظم عنايته بهم .. وتودده إليهم.
يرسل إليهم رسولًا بعد رسول، ويهديهم بكتاب بعد كتاب، حتى أكمل الله الدين، وبعث به رسوله محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين.
إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة منوطة بالرسل، وبأتباعهم من بعدهم، وهي أمانة عظيمة ثقيلة جسيمة كبيرة، إنها أمانة إبلاغ رسالة الله إلى خلقه، والتي عليها مدار سعادتهم وشقاوتهم في الدنيا والآخرة.
ولهذا قام بها الأنبياء والرسل على أكمل وجه، وبذلوا كل ما يملكون من أجل وصول الحق إلى الخلق، والله يعينهم ويحفظهم وينصرهم، لمحبته لعباده، ورحمته لهم، وشدة عنايته بهم.
فكم أرسل الله من الأنبياء والرسل إلى البشرية ..؟
وكم من رسالة حملوها إلى ذرية آدم ..؟
وكم بذلوا من الأوقات والأموال والأنفس في سبيل إبلاغ دين الله إلى الناس ..؟
وكم تركوا من الديار والأهل والأموال والشهوات من أجل أن يكون الدين كله لله ؟
وكم تعرضوا للسب والشتم والقتل وهم يبلغون رسالات الله ..؟
وكم صبروا على الأذى والظلم، والافتراء والتكذيب، والاستهزاء والسخرية من أقوامهم ..؟
وكم وقفوا بين يدي ربهم ركعًا وسجدًا وبكيًّا ..؟
[ ١ / ١٩٩ ]
وكم أحسنوا إلى الناس ..؟
وكم رحموا من أهل الأرض؟
وكم من البشرية هداهم الله على أيديهم ..؟
فنالوا رضوان ربهم .. وبلغوا رسالات الله .. وفازوا بأعلى الجنان.
ثم مضى هؤلاء الأنبياء والرسل من أول الرسل نوح - ﷺ -، إلى خاتمهم وسيدهم محمد - ﷺ -، وبقي هذا الواجب العظيم الثقيل على من بعد محمد - ﷺ - من المؤمنين برسالته.
ولا فكاك أبدًا من هذه التبعة الثقيلة إلا بإبلاغ رسالة الله على ذات المنهج الذي بلَّغ به رسول الله - ﷺ - الدين للناس كافة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء:٧٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس:١٠٨].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم:٥٢].
[ ١ / ٢٠٠ ]