- فضل العلم:
فضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته .. وتارة من شدة الحاجة إليه .. وتارة من ظهور النقص والشر بفقده .. وتارة من حصول اللذة والسرور بوجوده .. وتارة من كمال وحسن الثمرة المترتبة عليه.
وهذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم.
والعلوم غذاء للقلوب، كما أن الأطعمة غذاء للأبدان، والكل متفاوت.
وشرف العلم تابع لشرف المعلوم، فليس العلم بالله وشرعه كالعلم بالتراب والقماش.
فأجلّ العلوم وأشرفها وأفضلها وأحسنها هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، بل هو أصل العلوم كلها.
ولا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم للقلب من معرفة ربه، ومحبة فاطره، ودوام ذكره، والسعي في مرضاته.
ومن أجل هذا خلق الله الخلق .. ولأجله نزل الوحي .. ولأجله أرسل الله الرسل .. وقامت السماوات والأرض .. وخلقت الجنة والنار.
ولا سبيل إلى معرفة ذلك، والمنافسة فيه، إلا من باب العلم، فأعرف الخلق بالله أشدهم حبًا له، وتعظيمًا له، وطاعة له.
والعلم يفتح الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
[ ١ / ٤٧٩ ]
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
- أساس دعوة الرسل:
لب دعوة الرسل ثلاثة أصول:
الأول: تعريف الناس بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: تعريف الناس بالطريق الموصل إليه، وهو شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
الثالث: تعريف السالكين بما لهم بعد الوصول إليه في الآخرة، وهو الجنة لمن آمن به وأطاعه .. والنار لمن كفر به وعصاه.
وورثة الرسل وخلفاؤهم من سار على هديهم.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
- ما ينال به العلم:
السمع والبصر والقلب هي أمهات ما ينال به العلم.
فالقلب يعقل الأشياء بنفسه .. والعين تنقل ما رأت وتصبه في القلب .. والأذن تسمع العلم وتنقله إلى القلب.
وصاحب الأمر هو القلب، وسائر الأعضاء حجبة له، توصل إليه ما لا يأخذه بنفسه من المسموعات والمرئيات.
والقلب خلقه الله للإيمان والتوحيد، والذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم.
وإذا كان القلب مشغولًا بالله، عاقلًا للحق، متفكرًا في العلم، فقد وُضِع في موضعه.
وإذا لم يُصرف القلب إلى العلم، ولم يُودَع فيه الحق، فهو ضائع، والقلب
[ ١ / ٤٨٠ ]
نفسه لا يقبل إلا الحق.
والذي يَحُول بين القلب والحق شغله بغيره من فتن الدنيا، وشهوات الجسد، وقد يعرض له الهوى قبل معرفة الحق، فيبعده عن النظر فيه، وقد يعرض عنه عن كبر فيه، وقد يعرض له الهوى بعد معرفة الحق فيجحده ويعرض عنه.
والقلوب أوعية العلم والإيمان.
فمن كان قلبه سليمًا لينًا رقيقًا سَهُل قبوله العلم، ورسخ فيه وأثّر.
وإن كان القلب مريضًا قاسيًا غليظًا كان قبوله للعلم صعبًا عسيرًا.
فإذا كان القلب زاكيًا صافيًا زَكَى فيه العلم، وأثمر ثمرًا طيبًا.
وإن قَبِل القلب العلم، وكان فيه كدورة وخُبث أفسد ذلك العلم كالزرع مع الدَّغَل ينبت لكن لا يزكو.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
٣ - وَعَنْ أبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأنْبَتَتِ الكَلأ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى
[ ١ / ٤٨١ ]
اللهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ». متفق عليه (١).
- مقاصد الإسلام:
مقاصد الإسلام تدور على أربعة أصول:
الأول: معرفة الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو التوحيد والإيمان.
الثاني: معرفة العبادات والمعاملات، والمعاشرات والأخلاق، وكيفية أدائها والاتصاف بها.
الثالث: الدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليسعد كل فرد في العالم بهذا الدين.
الرابع: إيقاف المعتدي عند حده بوضع الأحكام والعقوبات التي تحفظ الأمن، والأنفس، والأعراض، والأموال، والعقول، والدين، وهي الجهاد والحدود.
والقلوب كالأواني ما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء.
فالقلوب المشغولة بغير الله، لا تدخلها المعرفة بجلال الله.
وليس المقصود من العلم العمل فقط، بل المقصود الإيمان والعمل.
ولو كان المقصود من العلم العمل فقط، لكان المنافقون في الجنة، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يعملون بلا إيمان.
فالعلم بوحدانية الله، وأنه لا إله إلا هو، مطلوب مراد لذاته، فكما أن عبادته مرادة لذاتها، فكذلك العلم به سبحانه مراد لذاته، ولا بد للعبد من معرفة هذا وهذا، والعمل بموجب هذه المعرفة.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧٩)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٢٨٢).
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
- فقه الرغبة في طلب العلم:
الإنسان لا يرغب في طلب العلم ولا يقبل عليه إلا بإرادة جازمة، ولا تأتي الإرادة إلا بمحرك لها وهو الإيمان، ومعرفة فضل العلم، وثواب العلماء، ومعرفة درجاتهم عند الله ﷿.
ومما يرغِّب الإنسان في طلب العلم الشرعي، ويحرك نفسه لتعلمه وتعليمه أن يتفكر ويقول لنفسه:
إن الله أمرني بالعبادات والطاعات، ولا أقدر على أدائها إلا بالعلم.
ونهاني عن المعاصي والآثام، ولا أقدر على اجتنابها إلا بعد معرفة قبحها، وسوء عاقبتها، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
ويقول: إن الله ﷿ أوجب علي شكر نعمه الظاهرة والباطنة، ولا أقدر على معرفتها، وطاعة الله فيها، إلا بالعلم.
وأمرني سبحانه بإنصاف الخلق، ولا أقدر على إنصافهم إلا بعد معرفة حقوقهم، وما يجب لهم، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
وأمرني سبحانه بالصبر على بلائه، ولا أقدر على ذلك إلا بعد معرفة ثوابه، وحسن عاقبته، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
وأمرني سبحانه بعداوة الشيطان وأتباعه، ولا أقدر على ذلك إلا بعد معرفة كيده وخطواته، ولا يتم ذلك إلا بالعلم .. وهكذا.
- العلم الحقيقي:
العلم الحقيقي هو العلم الإلهي، والعلم الإنساني بالنسبة إليه كله جهالة؛
[ ١ / ٤٨٣ ]
لأن العلم الإلهي يربط المخلوق بالخالق، والعلم الإنساني يربط المخلوق بالمخلوق.
والعلم الحقيقي هوا لذي يورث العمل والخشية لله.
ولا بد في كل عمل من أمرين:
إخلاص العمل لله .. وأداؤه كما ورد في سنة رسول الله - ﷺ -.
والاتباع يكمل بثلاثة أمور:
اتباع الرسول - ﷺ - في نيته .. واتباعه في وجهته وهي الآخرة .. واتباعه في هيئة العمل.
فالوضوء له أحكام معلومة .. والصلاة كذلك .. والدعوة كذلك.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزُّمَر: ٩].
- مسؤولية طالب العلم:
على طالب العلم مسؤولية عظيمة، وهي متفاوتة بحسب ما عنده من العلم، وبحسب حاجة الناس إليه .. وبحسب طاقته وقدرته.
أما من جهة نفسه:
فعليه أن يعتني بفهم وحفظ الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة .. ومعرفة كلام أهل العلم .. وأن يخلص لله ويتقيه .. ويعمل بما علم .. وأن يكون هدفه إرضاء الله ﷿، وأداء الواجب، وبراءة الذمة، ونفع الناس، فالعلم أمانة أودعها الله إياه، ولا بد من أدائها كما أمره ربه، ولا يهدف بعلمه وعمله إلى
[ ١ / ٤٨٤ ]
مال، أو عَرَض من الدنيا، ولا يطلب الرياء والسمعة، فيكون من أول من تسجر بهم النار.
فطالب العلم له ثلاثة مواقف:
موقف مع ربه بالصدق والإخلاص .. وموقف مع نفسه بالعلم والعمل .. وموقف مع غيره بالتعليم والدعوة وحسن الخلق.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
- آفة العمل:
آفة العمل عدم مطابقته لمراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه.
إما بسبب فساد العلم .. وإما بسبب فساد الإرادة.
ففساده من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع، وهو ليس كذلك، أو يعتقد أنه يقرِّبه إلى الله وإن لم يكن مشروعًا.
وأما فساده من جهة القصد، فأن لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة، بل يقصد به الدنيا والخلق.
ولا سبيل للسلامة من هاتين الآفتين في العلم والعمل إلا بمعرفة ما جاء به الرسول - ﷺ - في باب العلم، وإرادة وجه الله في باب القصد والإرادة.
فمتى خلا قلب المسلم من هذه المعرفة، وهذه الإرادة، فسد علمه وعمله،
[ ١ / ٤٨٥ ]
ودنياه وآخرته.
وكل من آثر الدنيا واستحبها من أهل العلم، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه.
وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين، مع الفجور في العمل؛ لأن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكِّسه فيرى السنة بدعة، والبدعة سنة.
وفي هؤلاء وأشباههم يقول سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف: ١٦٩].
فهذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة.
أما العابد الجاهل فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه، وغلبة ما تهواه نفسه، على ما شرعه ربه.
وفي هؤلاء وأمثالهم يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
- كمال الإنسان:
كمال الإنسان مداره على أصلين:
معرفة الحق من الباطل .. وإيثار الحق على الباطل بالعمل به، والدعوة إليه.
وتفاوت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتهم في هذين الأمرين.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقد انقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام:
الأول: من عرف الحق وآثره على الباطل، بالعمل به، والدعوة إليه.
فهؤلاء أشرف الخلق، وأكرمهم على الله تعالى.
الثاني: من لا بصيرة له في الدين، ولا رغبة له فيه لنفسه ولا لغيره.
وهؤلاء شر الخلق، غرهم الشيطان فصاروا من جنده وحزبه.
الثالث: من له بصيرة في العلم والهدى، لكنه ضعيف لا قوة له.
فهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.
الرابع: من له قوة وهمة، ولكنه ضعيف البصيرة في الدين.
وليس في جميع هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها، سوى القسم الأول الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
- درجات الكمال:
سنة الله ﷿ أن جعل لكل مخلوق كمالًا يختص به هو غاية شرفه وحسنه، فإذا عدم كماله نزل إلى الرتبة التي دونه، واستُعمل فيها.
وقد فاوت الله ﷿ بين النوع الإنساني أعظم تفاوت في الخلق .. والعلم.
فإذا كان الإنسان صالحًا لاصطفاء الله له بالرسالة اتخذه رسولًا.
فإن كان قاصرًا عن هذه الدرجة، قابلًا لدرجة الولاية رشح لها.
فإن كان ممن يصلح للعمل والعبادة، دون العلم والمعرفة، جعل من أهلها، حتى ينتهي إلى درجة عموم المؤمنين، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[ ١ / ٤٨٧ ]
فإن نقص عن هذه الدرجة، ولم تكن نفسه قابلة لشيء من الخير أصلًا، استُعمل حطبًا ووقودًا للنار.
فالإنسان يترقى في درجات الكمال بعلمه وعمله وخلقه درجة بعد درجة، حتى يبلغ نهاية ما يناله أمثاله.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
- أصول العبودية:
العبودية الكاملة تقوم على ثلاثة أصول:
الهيبة .. والحياء .. والأنس.
فإذا عرف المسلم عظمة الله وجلاله، وقدرته وقوته، جاءت عنده صفة الهيبة.
وإذا عرف غزارة نعم الله الظاهرة والباطنة عليه وعلى غيره، مع قلة الشكر، ونظر إلى كثرة المعاصي، جاء عنده الحياء من ربه.
وإذا عرف لطف الله ورحمته، وجوده وإحسانه، وعفوه وحلمه، جاء عنده الأنس بالله، ولذة مناجاته، ودوام الوقوف ببابه.
وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان بالله، ومعرفة أسمائه وصفاته، ولذة مناجاته وعبادته.
فليهنأ بذلك من رزق ذلك: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
[ ١ / ٤٨٨ ]
- ثمرات معرفة الله:
لا بد للعبد الضعيف العاجز .. الفقير المحتاج .. الظلوم الجهول .. الذي لا يستغني عن ربه طرفة عين أن يعرف ربه الذي يربيه بنعمه الظاهرة والباطنة.
وأن يعرف إلهه ومعبوده الذي تكفل بكل ما يحتاجه الخلق في الدنيا والآخرة.
فإذا عرف العبد أن ربه هو القوي وحده، استعان بالله وحده.
وإذا عرف أن ربه هو الغني وحده، طلب منه وحده كل ما يحتاجه.
وإذا عرف أن ربه هو العفو وحده، طلب منه وحده المسامحة.
وإذا عرف أن ربه الغفور وحده، طلب منه وحده المغفرة.
وإذا عرف أن ربه هو الملك وحده، توجه إليه بالعبودية والطاعة وحده.
وإذا عرف أن ربه هو الكريم وحده، شكره وسأله وحده.
وإذا عرف أن ربه هو الكبير وحده، عظمه وحده، وكبره وحده.
وإذا عرف أن ربه هو العليم وحده، خافه وحذر من معصيته.
وإذا عرف أن ربه هو الرزاق وحده، سأله أن يرزقه.
وهكذا في بقية أسماء الله وصفاته، يتعلمها، ويحفظها، ويعبد الله بمقتضاها.
فالله ﷿ هو الصمد الذي تكفل بما يحتاجه الخلق، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا رحمة بعباده ليجيب من دعاه، ويعطي من سأله، ويغفر لمن استغفره.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
[ ١ / ٤٨٩ ]
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأَغْفِرَ لَهُ». متفق عليه (١).
- أحسن اللذات:
أفضل اللذات، وأحسنها، وأعظمها، هي لذة العلم الإلهي.
وأعظم اللذات التي يجد الإنسان طعمها وحلاوتها في الحياة .. والتي تبقى بعد الموت .. وتنفع في الدار الآخرة .. هي لذة العلم بالله وأسمائه وصفاته .. ولذة مناجاته وعبادته .. وهي لذة الإيمان والأعمال الصالحة.
فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه، وأطيب ما في الآخر النظر إليه، والقرب منه، وسماع كلامه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١١٤٥)، واللفظ له، ومسلم برقم (٧٥٨).
[ ١ / ٤٩٠ ]