القِسمُ الأولُ: حُكمُ المُختلِطِ بالطاهِرِ ولم يَتغيرْ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا اختلَطَ به شَيءٌ طاهِرٌ ولم يَتغيرْ به لقِلَّتِه لم يَمنعِ الطَّهارةَ به؛ لأنَّ الماءَ باقٍ على إطلاقِه.
القِسمُ الثاني: حُكمُ الماءِ إذا اختلَطَ بطاهِرٍ لا يُمكنُ التَّحرزُ منه وتغيَّرَ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا خالَطَه طاهِرٌ لا يُمكنُ الاحتِرازُ منه كالطُّحلُبِ والخَزِّ وسائِرِ ما يَنبُتُ في الماءِ، وكذلك وَرقُ الشَّجرِ الذي يَسقطُ في الماءِ، أو تَحمِلُه الرِّيحُ فتُلقيه فيه، وما تَجذِبُه السُّيولُ من العِيدانِ والتِّبنِ، ونَحوِه، فتُلقيه في الماءِ، وما هو في قَرارِ الماءِ، كالكِبريتِ وغيرِه، إذا جرَى عليه الماءُ فتغيَّرَ به، أو كانَ في الأرضِ التي يَقفُ الماءُ فيها؛ فإنَّه يَجوزُ التَّطهُّرُ به؛ لأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه (^١).
_________________
(١) «الهداية شرح البداية» (١/ ١٨)، و«البحر الرائق» (١/ ٧١)، و«الشرح الصغير» (١/ ٢٣)، و«المجموع» (٢/ ٥٦)، و«المهذب» (١/ ٥)، و«المغني» (١/ ٣٧).
[ ١ / ٢٠٩ ]
القِسمُ الثالِثُ: حُكمُ الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه، كزَعفرانٍ والصابونِ ونَحوِهما فتَغيَّرَ به أحدُ أَوصافِه، طَعمُه أو لَونُه أو رِيحُه، هل هو طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَصحُّ التَّطهُّرُ به أو هو طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ مُطهِّرٍ لغيرِه فلا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ.
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وهذا القَولُ هو الصَّوابُ (^١).
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكرةٌ في سياقِ النَّفيِ، والنَّكرةُ في سياقِ النَّفيِ تَعمُّ؛ فلا يَجوزُ التَّيممُ مع وُجودِه (^٢).
وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ في الرَّجلِ الذي وقَصَته ناقَتُه فماتَ: «اغسِلُوه بمَاءٍ وسِدْرٍ» (^٣)، فلولا أنَّه طهَورٌ لمَا أمرَه أنْ يَغتسلَ بذلك؛ لأنَّ غُسلَ المَيِّتِ لا يَجوزُ إلا بما يَجوزُ به الوُضوءُ، ولأنَّه طَهورٌ خالَطَه طاهِرٌ لم يَسلُبْه اسمَ الماءِ ولا رِقتَه ولا جَريانَه، فأشبَهَ المُتغيِّرَ بالدُّهنِ (^٤).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٥).
(٢) «المغني» (١/ ٣٦).
(٣) رواه البخاري (١٢٠٦)، ومسلم (١٢٠٦).
(٤) «تبين الحقائق» (١/ ٢١)، و«البحر الرائق» (١/ ٧١)، و«حاشية الطحطاوي» (١/ ١٨)، و«شرح فيض القدير» (١/ ٧٢)، و«المغني» (١/ ٣٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
وبما ورَدَ عن أُمِّ هانِئٍ ﵂ قالَت: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اغتَسلَ هو ومَيمونةُ من إناءٍ واحِدٍ من قَصعةٍ فيها أثَرُ العَجينِ» (^١).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ، ويَجوزُ استِعمالُه في العاداتِ كالطَّبخِ وغيرِه دونَ الوُضوءِ والغُسلِ.
قالَ صاحِبُ «أسهَل المَدارِك» أبو بَكرِ بنُ حَسنِ بنِ عبدِ اللهِ الكِشناويُّ المالِكيُّ: والمُتغيرُ بالطاهِرِ كاللَّبنِ طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ طَهورٍ، يُستعملُ في العاداتِ، كالطَّبخِ والشُّربِ ولا يُستعملُ في العِباداتِ كالوُضوءِ والغُسلِ (^٢).
وقالَ النَّوويُّ: هذا الذي ذكَرْناه من مَنعِ الطَّهارةِ بالمُتغيرِ بمُخالطةِ ما ليسَ بمُطهِّرٍ، والماءُ يَستَغني عنه، هو مَذهبُنا، ومَذهبُ مالِكٍ وداودَ وكذا أحمدُ في أصَحِّ الرِوايَتينِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بالمُتغيرِ بالزَّعفرانِ، وبكلِّ طاهِرٍ سَواءٌ قلَّ التَّغيرُ أو كثُرَ بشَرطِ كَونِه يَجري، لا بثَخينٍ إلا مَرقةَ اللَّحمِ ومَرقةَ الباقِلاءِ (^٣).
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١/ ٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢٤٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (١٢٤٥).
(٢) «أسهل المدارك» (١/ ٣٨)، و«مواهب الجليل» (١/ ٥٩).
(٣) «المجموع» (٢/ ٥٩، ٦٠).
[ ١ / ٢١١ ]
واستدَلُّوا على ذلك -أي: المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ- بأنَّه ماءٌ تغيَّرَ بمُخالطةِ ما ليسَ بطَهورٍ يُمكنُ الاحتِرازُ منه فلم يَجزِ الوُضوءُ به كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ المَغليِّ، ولأنَّ اختِلاطَ الماءِ بطاهِرٍ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه كالزَّعفرانِ ونَحوِه يَمنعُه الإطلاقَ، ولهذا لا يَحنثُ بشُربِه الحالِفُ ألَّا يَشربَ ماءً (^١).
القِسمُ الرابِعُ: حُكمُ الماءِ إذا تغيَّرَ بمُجاوَرةِ طاهِرٍ:
إذا تغيَّرَ الماءُ بمُجاورةِ طاهِرٍ كالدُّهنِ والطاهِراتِ الصُّلبةِ كالعُودِ والكافورِ، إذا لم يَهلِكْ في الماءِ ولم يَمُعْ فيه فهو طاهِرٌ مُطهِّرٌ عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ المالِكيةِ وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ هذا التَّغيُّرَ إنَّما هو من جِهةِ المُجاورةِ فلا يَضرُّ؛ لأنَّه لا يَمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فهو يُشبهُ تَروُّحَ الماءِ بريحِ شَيءٍ على جانِبِه (^٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ عندَهم والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، قياسًا على المُختلِطِ بالزَّعفرانِ (^٣).
_________________
(١) «المغني» (١/ ٣٦)، و«الإنصاف» (١/ ٣٢).
(٢) «تبين الحقائق» (١/ ٢٠)، و«الشرح الصغير» (١/ ٢٢)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و«الحاوي الكبير» (١/ ٥٢، ٥٣)، و«المهذب» (١/ ٥)، و«المجموع» (٢/ ٦١)، و«شرح المنهاج» (١/ ١٩)، و«المغني مع الشرح» (١/ ٣٨).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و«الشرح الصغير» (١/ ٢٢)، و«الحاوي الكبير» (١/ ٥٢، ٥٣)، و«المهذب» (١/ ٥)، و«المجموع» (٢/ ٦١)، و«شرح المنهاج» (١/ ١٩)، و«المغني مع الشرح» (١/ ٣٨).
[ ١ / ٢١٢ ]
أمَّا إذا هلَكَ المُجاورُ الطاهِرُ وماعَ في الماءِ فحُكمُه حُكمُ الطاهِرِ لا الطَّهورِ، فلا يَجوزُ استِعمالُه في رَفعِ الحَدثِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما يَتغيرُ به الماءُ بمُجاورتِه من غيرِ مُخالطةٍ كالدُّهنِ على اختِلافِ أنواعِه، والطاهِراتِ الصُّلبةِ كالعُودِ والكافورِ والعَنبَرِ، إذا لم يَهلِكْ في الماءِ ولم يَمُعْ فيه لا يُخرجُه عن إطلاقِه؛ لأنَّه تَغييرُ مُجاورةٍ، أشبَهَ ما لو تروَّحَ شَيءٌ على جانِبِه ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
وفي مَعنى المُتغيرِ بالدُّهنِ ما تغيَّرَ بالقَطرانِ والزِّفتِ والشَّمعِ؛ لأنَّ في ذلك دُهنيةً يَتغيرُ بها الماءُ تَغيُّرَ مُجاورةٍ فلا يَمنعُ كالدُّهنِ (^١).