اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ هل يَجوزُ استِعمالُه مُطلقًا من غيرِ كَراهةٍ أو يُكرهُ استِعمالُه؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: جَوازُ استِعمالِه مُطلَقًا من غيرِ كَراهةٍ، سَواءٌ كانَ هذا الاستِعمالُ في البَدنِ أو في الثَّوبِ، وبهذا قالَ جُمهورُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضُ فُقهاءِ المالِكيةِ -كابنِ شَعبانَ وابنِ الحاجِبِ وابنِ عبدِ الحَكمِ-، وبَعضُ الشافِعيةِ كالنَّوويِّ والرُّويانِيِّ (^١).
القَولُ الثاني: كَراهةُ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المُعتمَدِ عندَهم والشافِعيةِ في المَذهبِ وبَعضِ الحَنفيةِ.
يَقولُ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُكرهُ شَرعًا الماءُ المُشمَّسُ تَنزيهًا، أي: ما سخَّنَته الشَّمسُ، أي: يُكرهُ استِعمالُه في البَدنِ في الطَّهارةِ وغيرِها، كأكلٍ وشُربٍ؛ لمَا رَوى الشافِعيُّ عن عُمرَ ﵁ أنَّه: «كانَ يَكرهُ
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤)، و«مواهب الجليل» (١/ ٧٨)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٧٣)، والشرح الصغير بهاش «بلغة السالك» (١/ ٢٨)، و«المجموع» (٢/ ٣٠) «المغني» (١/ ٤١).
[ ١ / ٢٠٤ ]
الاغتِسالَ بالماءِ المُشمَّسِ، وقالَ: يُورثُ البَرَصَ» لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ ببِلادٍ حارةٍ، أي: تَقلِبُه الشَّمسُ عن حالتِه إلى حالةٍ أُخرى، كما نقَلَه في البَحرِ عن الأَصحابِ في آنيةٍ مُنطبِعةٍ غيرِ النَّقدَينِ، وهي كلُّ ما طُرقَ كالنُّحاسِ ونَحوِه، وأنْ يُستعملَ في حالِ حَرارتِه؛ لأنَّ الشَّمسَ بحِدَّتِها تَفصلُ منه زُهومةً تَعلو الماءَ، فإذا لاقَتِ البَدنَ بسُخونتِها خِيفَ أنْ تَقبضَ عليه فيَحتبسَ الدَّمُ فيَحصلَ البَرصُ (^١).
وقالَ الدَّرديرُ: يُكرهُ الماءُ المُشمَّسُ، أي: المُسخَّنُ، أي: بالشَّمسِ في الأَقطارِ الحارةِ، كأرضِ الحِجازِ، لا في نَحوِ مِصرَ والرُّومِ، وقيَّدَ بَعضُهم الكَراهةَ أيضًا بالمُشمَّسِ في الأَواني والنُّحاسِ ونَحوِها لا الفَخَّارِ، وقيلَ: لا يُكرهُ مُطلقًا (^٢).
وعقَّبَ الإمامُ الدُّسوقيُّ على قَولِ الدَّرديرِ في «الشَّرح الكَبير»: والمُعتمَدُ الكَراهةُ بقَولِه: وهو ما نقَلَه ابنُ الفُراتِ عن مالِكٍ، واقتصَرَ عليه جَماعةٌ من أهلِ المَذهبِ، لكنَّ هذه الكَراهةَ طِبِّيةٌ لا شَرعيةٌ؛ لأنَّ حَرارةَ الشَّمسِ لا تَمنعُ من إِكمالِ الوُضوءِ أو الغُسلِ، بخِلافِ ما لو كانَت كَراهتُه لشِدةِ حَرارتِه؛ فإنَّها شَرعيةٌ، والفَرقُ بينَ الكَراهتَين أنَّ الشَّرعيةَ يُثابُ تارِكُها بخِلافِ الطِّبيةِ (^٣).
_________________
(١) «مغني المحتاج» (١/ ٧٩، ٨٠)، و«كفاية الأخيار» ص (٥٣).
(٢) الشرح الصغير بهامش «بلغة السالك» (١/ ٢٨).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٣، ٧٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقالَ ابنُ عابِدينَ في «حاشيتِه»: قدَّمنا في بابِ مَندوباتِ الوُضوءِ عن الإِمرادِ أنَّ منه ألَّا يَكونَ بماءٍ مُشمَّسٍ وبه صرَّحَ في «الحِلية» مُستدلًّا بما صَحَّ عن عُمرَ من النَّهيِ عنه، ولذا صرَّحَ في الفَتحِ بكَراهتِه، ومِثلُه في البَحرِ.
وقالَ في «مَعارج الدِّرايةِ» وفي «القُنية»: وتُكرهُ الطَّهارةُ بالمُشمَّسِ، لقَولِه ﷺ لعائِشةَ ﵂ حين سخَّنَت الماءَ بالشَّمسِ: «لا تَفعَلي يا حُمَيراءُ؛ فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ».
وفي الغايةِ: يُكرهُ بالمُشمَّسِ في قُطرٍ حارٍّ في أَوانٍ مُنطبعةٍ (^١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ مُعلِّقًا على هذَين الحَديثَينِ:
أمَّا حَديثُ عائِشةَ فضَعيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثينَ، وقد رَواه البَيهَقيُّ من طُرقٍ وبيَّنَ ضَعفَها كلَّها، ومنهم مَنْ يَجعلُه مَوضوعًا، وقد رَواه الشافِعيُّ في «الأُم» بإِسنادِه عن عُمرَ بنِ الخَطابِ، وقالَ: إنَّه يُورثُ البَرصَ، وهذا ضَعيفٌ أيضًا باتِّفاقِ المُحدِّثينَ … فحصَلَ من هذا: أنَّ المُشمَّسَ لا أصلَ لكَراهتِه، ولم يَثبتْ عن الأطِباءِ فيه شَيءٌ، فالصَّوابُ: الجَزمُ بأنَّه لا كَراهةَ فيه … وهو الصَّوابُ المُوافِقُ للدَّليلِ ولنَصِّ الشافِعيِّ؛ فإنَّه قالَ في «الأُم»: لا أكرَهُ المُشمَّسَ إلا أنْ يَكونَ من جِهةِ الطِّبِّ، كذا رأيتُه في «الأُم» (^٢). وكذا نقَلَه البَيهَقيُّ بإِسنادِه في كِتابِه «مَعرِفة السُّنَن والآثار» عن الشافِعيِّ (^٣).
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤، ٣٢).
(٢) «الأم» (١/ ٣).
(٣) «المجموع» (٢/ ٢٧، ٢٩)، و«روضة الطالبين» (١/ ١٤٢).
[ ١ / ٢٠٦ ]