الماءُ المُطلَقُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ هو: ما صدَقَ عليه اسمُ ماءٍ بلا قَيدٍ لازِمٍ فيُقالُ: هذا ماءٌ، وشرِبتُ ماءً، وخلَقَ اللهُ الماءَ رَحمةً للعالَمينَ، ونَحوَ ذلك؛ لكَونِه إمَّا باقيًا على أصلِ خِلقتِه، وإمَّا مُتغيرًا، بما هو ضَروريٌّ له كالجارِي على الكِبريتِ وغيرِه، ممَّا يُلازمُ الماءَ في مَقرِّه، وإِضافتُه في نَحوِ ماءِ البَحرِ وماءِ البِئرِ، وإنْ كانَت قَيدًا إلا أنَّها غيرُ مُحتاجٍ إليها (^٢).
_________________
(١) «الدر المختار» (١/ ١٧٩).
(٢) «الفروق» (٢/ ٢١٦)، و«الشرح الكبير» للدردير (١/ ٥٦)، و«مغني المحتاج» (١/ ٧٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
وقيلَ: الماءُ المُطلَقُ هو الباقي على أصلِ خِلقتِه (^١)، ولم تُخالِطْه نَجاسةٌ، ولم يَغلِبْ عليه شَيءٌ طاهِرٌ (^٢).
وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الماءَ المُطلَقَ طاهِرٌ في ذاتِه مُطهِّرٌ لغيرِه (^٣).
وعبَّرَ الفُقهاءُ عن هذا النَّوعِ من الماءِ بالطَّهورِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في المُرادِ بالطَّهورِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه الطاهِرُ المُطهِّرُ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: قالَ أهلُ اللُّغةِ: الطَّهورُ هو العامِلُ للطَّهارةِ في غيرِه، كما يُقالُ: قَتولٌ، وقالَ ثَعلبٌ: الطَّهورُ: الطاهِرُ في نَفسِه المُطهِّرُ لغيرِه، وهذا ممَّا لم يُخالِفْ فيه إلا بعضُ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، فقالوا: الطَّهورُ هو الطاهِرُ، على سَبيلِ المُبالَغةِ (^٤).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: والطَّهورُ عندَنا هو المُطهِّرُ، وبه قالَ أحمدُ بنُ
_________________
(١) «كفاية الأخيار» (٥٣).
(٢) «التعريفات» للجرجاني (١/ ٢٥٠).
(٣) «الإجماع» لابن المنذر (٢٠)، و«فتح القدير» (١/ ٢١)، و«الشرح الكبير» (١/ ٥٦)، و«مواهب الجليل» (١/ ٥٦)، و«المجموع» (٢٥/ ٣٩)، و«كفاية الأخيار» ص (٥٣)، و«الإقناع» للشربيني (١/ ٢١)، و«مغني المحتاج» (١/ ٧٤)، و«المغني مع الشرح» (١/ ٣٠)، و«كشاف القناع» (١/ ٢٦).
(٤) «الإفصاح» (١/ ٣٥، ٣٦)، و«البحر الرائق» (١/ ٧٠).
[ ١ / ١٨٣ ]
حَنبَلٍ، وحَكاه بعضُ أَصحابِنا عن مالِكٍ، وحَكوْا عن بعضِ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، وبَعضِ أهلِ اللُّغةِ أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ (^١).
واستدَلَّ الجُمهورُ بما يَلي:
أولًا: أنَّ لَفظةَ «طَهورٌ» جاءَت في لِسانِ الشَّرعِ للمُطهِّرُ، ومِن هذا قَولُه تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
قالَ القُرطبيُّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يُتطهَّرُ به، كما يُقالُ: وَضوءُ الماءِ، الذي يُتوضَّأُ به، وكلُّ طَهورٍ طاهِرُ، وليسَ كلُّ طاهِرٍ طَهورًا، فالطَّهورُ (بفَتحِ الطَّاءِ) الاسمُ، وكذلك الوَضوءُ والوَقودُ، وبالضَّمِّ المَصدرُ، وهذا هو المَعروفُ في اللُّغةِ، قالَه ابنُ الأَنباريِّ، فبيَّنَ أنَّ الماءَ المُنزلَ من السَّماءِ طاهِرٌ في نَفسِه مُطهِّرٌ لغيرِه؛ فإنَّ الطَّهورَ بِناءُ مُبالَغةٍ في طاهِرٍ، وهذه المُبالَغةُ اقتَضَت أنْ يَكونَ طاهِرًا مُطهِّرًا، وإلى هذا ذهَبَ الجُمهورُ.
وقيلَ: إنَّ «طَهورًا» بمَعنى: طاهِرًا، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وتعلَّقَ بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. يعني طاهرًا.
وقالَ القُرطبيُّ أيضًا: أجمَعَت الأُمةُ لُغةً وشَريعةً على أنَّ وَصفَ «طَهورًا» يَختصُّ بالماءِ فلا يَتعدَّى إلى سائِرِ المائِعاتِ، وهي طاهِرةٌ، فكانَ اقتِصارُهم بذلك على الماءَ أدَلُّ دَليلٍ على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ (^٢).
_________________
(١) «المجموع» (٢/ ٢١، ٢٢)، وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٥٦٥)، و«التحقيق» لابن الجوزي (١/ ١٩).
(٢) «تفسير القرطبي» (٧/ ٣٩، ٤٠).
[ ١ / ١٨٤ ]
ثانيًا: قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ مَاؤُه» (^١). ومَعلومٌ أنَّهم: سأَلوا عن تَطهيرِ ماءِ البَحرِ لا عن طَهارتِه، ولولا أنَّهم يَفهَمونَ من الطَّهورِ المُطهِّرُ لم يَحصُلِ الجَوابُ (^٢).
ثالِثًا: قَولُه ﷺ: «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا» (^٣).
قالَ النَّوويُّ: المُرادُ: مُطهِّرةً، وبكَونِها مُطهِّرةً اختَصَّت هذه الأُمةُ لا بكَونِها طاهِرةً (^٤).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: «وطَهورًا» استُدِلَّ به على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ لغيرِه؛ لأنَّ الطَّهورَ لو كانَ المُرادُ به الطاهِرَ لم تَثبُتِ الخُصوصيةُ، والحَديثُ إنَّما سِيقَ لإثباتِها.
وقد رَوى ابنُ المُنذرِ وابنُ الجارودِ بإِسنادٍ صَحيحٍ عن أنسٍ مَرفوعًا: «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طَيِّبةٍ مَسجدًا وطَهورًا».
ومَعنى «طَيِّبةٍ»: طاهِرةٍ، فلو كانَ مَعنى «طَهورًا»: طاهِرًا، للزِمَ تَحصيلُ الحاصِلِ (^٥).
_________________
(١) سيَأتي تَخريجُه.
(٢) «المجموع» (٢/ ٢٢، ٢٣)، وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٥٥).
(٣) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢٢).
(٤) «المجموع» (٢/ ٢٢، ٢٣)، وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٥٥).
(٥) «فتح الباري» (١/ ٥٢٢).
[ ١ / ١٨٥ ]
وتَحصيلُ الحاصِلِ بالنِّسبةِ له ﷺ مُحالٌ، فتعيَّنَ أنْ يَكونَ المُرادُ به المُطهِّرَ لغيرِه.
واستدَلَّ الحَنفيةُ على أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ بما يأتي:
أولًا: بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. ومَعلومٌ أنَّ أهلَ الجَنةِ لا يَحتاجونَ إلى التَّطهيرِ من حَدثٍ ولا نَجسٍ، فعُلمَ أنَّ المُرادَ بالطَّهورِ هو الطاهِرُ (^١).
ثانيًا: قَولُ جَريرٍ في وَصفِ النِّساءِ:
عِذابِ الثَّنايا رِيقُهنَّ طَهورُ
والرِّيقُ لا يُتطهَّرُ به، وإنَّما أرادَ به الطاهِرَ (^٢).
قالَ النَّوويُّ ﵀: أجابَ أَصحابُنا عن قَولِه تَعالى: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، بأنَّه «تَعالى» وصَفَه بأعلى الصِّفاتِ، وهي: التَّطهيرُ، وكذا قَولُ جَريرٍ حُجةٌ لنا؛ لأنَّه قصَدَ تَفضيلَهنَّ على سائِرِ النِّساءِ، فوَصَف رِيقَهنَّ بأنَّه مُطهِّرٌ يُتطهَّرُ به لكَمالِهنَّ وطِيبِ رِيقِهنَّ، وامتِيازِه على غيرِه، ولا يَصحُّ حَملُه على ظاهِرِه؛ فإنَّه لا مَزيةَ لهُنَّ في ذلك؛ فإنَّ كلَّ النِّساءِ رِيقُهنَّ طاهِرٌ، بل البَقرُ والغَنمُ وكلُّ حَيوانٍ غيرِ الكَلبِ والخِنزيرِ (^٣).
_________________
(١) «البحر الرائق» (١/ ٧٠)، و«الذخيرة» (١/ ١٦٩)، و«المجموع» (٢/ ٢٢)، و«الحاوي الكبير» (١/ ٣٨).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) «المجموع» (٢/ ٢٥).
[ ١ / ١٨٦ ]