هذا الإمامُ تَبايَنَت أَقوالُ الناسِ فيه تَبايُنًا بَليغًا، فمِن مُعظِّمٍ أشدَّ تَعظيمٍ، فمُقدِّمٍ له على جَميعِ العُلماءِ، وهم مُتعصِّبةُ الأَحنافِ، وفي مُقابلِهم مَنْ انتَقصَه وطعَنَ في حِفظِه وفَضلِه، وقد ساقَ الخَطيبُ ﵀ في تَرجَمتِه أَقوالَ الفَريقينِ، إلا أنَّ أَسانيدَ مَنْ طعَنَ فيه الغالِبُ عليها الضَّعفُ الشَّديدُ، ومع تَتبُّعِ سِيرتِه وانتِقاءِ أَبعدِ الرِّواياتِ عن الغُلوِّ والقُصورِ، اتضَحَت لنا بفَضلِ اللهِ ﷿ الأُمورُ، وظهَرَ ما أخبَرَ به الحَربيُّ: لا يَقعُ في أَبي حَنيفةَ إلا جاهِلٌ أو حاسِدٌ (^٢).
وإذا كانَ الأصلُ في المُسلمِ حُسنُ الظنِّ، فكيف بمَن شهِدَ له عُلماءُ عَصرِه الأَثباتُ بالعَدالةِ والفقهِ والشَّرفِ والفَضلِ، وكيف بمَن امتَلأتْ قُلوبُ المُسلِمينَ بمَحبَّتِه، وشُغلَت الأَلسِنةُ بالثَّناءِ عليه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «تلك عاجلُ بُشرى المُؤمنِ» رَواه مُسلمٌ.
_________________
(١) نقلًا من كِتابِ «أعلام السلف» لفَضيلةِ الشَّيخِ الدُّكتور أَحمد فَريد حفِظَه اللهُ.
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٠٢).
[ ١ / ١٣ ]
الإمامُ أبو حَنفيةَ النُّعمانُ بنُ ثابِتٍ:
قالَ التاجُ السُّبكيُّ: يَنبَغي لك أيُّها المُسترشِدُ أنْ تَسلُكَ سَبيلَ الأَدبِ معَ الأَئمةِ الماضِينَ، وأنْ لا تَنظُرَ إلى كَلامِ بعضِهم في بعضٍ، إلا إذا أُتِيَ ببُرهانٍ واضحٍ، ثم إنْ قدِرتَ على التَّأويلِ وتَحسينِ الظنِّ فدونَك، وإلا فاضرِبْ صَفحًا عما جَرى بينَهم، فإنَّك لم تُخلقْ لهذا، فاشتَغلْ بما يَعنِيك، ودعْ ما لا يَعنِيك، ولا يَزالُ طالبُ العلمِ عِندي نَبيلًا حتى يَخوضَ فيما جَرى بينَ السَّلفِ الماضِينَ، ويَقضي لبعضِهم على بعضٍ، فإياكَ ثم إياكَ أن تُصغيَ إلى ما اتَّفقَ بينَ أَبي حَنيفةَ وسُفيانَ الثَّوريِّ، أو بينَ مالِكٍ وابنِ أَبي ذِئبٍ، أو بينَ أَحمدَ بنِ صالحٍ والنَّسائيِّ، أو بينَ أَحمدَ والحارسِ بنِ أسدٍ المُحاسِبيِّ … وهَلمَّ جرًّا، إلى زَمانِ العزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ والشَّيخِ تقيِّ الدينِ بنِ الصَّلاحِ؛ فإنَّك إذا اشتغَلتَ بذلك، خشِيتُ عليك الهَلاكَ؛ فالقومُ أَئمةٌ أَعلامٌ، ولأَقوالِهم مَحامِلُ، وربَّما لم تَفهمْ بعضَها، فليسَ لنا إلا التَّرضي وَالسُّكوتُ عمَّا جَرى بينهم، كما نَقولُ فيما جَرى بينَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم (^١).
عن يَحيى بنِ مَعينٍ قالَ: سمِعتُ يَحيى القَطانَ يَقولُ: جالَسْنا -واللهِ- أَبا حَنيفةَ، وسمِعْنا منه، وكنتُ -واللهِ- إذا نظَرتُ إليه، عرَفتُ في وجهِه أنَّه يَتقِي اللهَ ﷿ (^٢).
_________________
(١) «طبقات الشافعية» (٢/ ٢٧٨)، و«الخيرات الحسان» (١٠٣، ١٠٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٥٢).
[ ١ / ١٤ ]
وقالَ سُفيانُ بنُ عُيينةَ: ما قدِمَ مَكةَ رَجلٌ في وقتِنا أكثرَ صَلاةً من أَبي حَنيفةَ (^١).
ورَوى الخَطيبُ بسندِه أَبياتًا مدَحَ فيها ابنُ المُبارَكِ أَبا حَنيفةَ ﵀ فقالَ:
رَأيتُ أَبا حَنيفةَ كلَّ يَومٍ … يَزيدُ نَبالةً ويَزيدُ خَيرا
ويَنطقُ بالصَّوابِ ويَصطفيهِ … إذا ما قالَ أهلُ الجَورِ جُورا
يُقايسُ مَنْ يُقايسُه بلُبٍّ … فمَن ذا يَجعلُونَ له نَظيرَا
كَفانا فَقدَ حَمادٍ وكانَت … مُصيبتُنا به أَمرًا كَبيرَا
فردَّ شَماتةَ الأَعداءِ عنَّا … وأَبدَى بعدَه عِلمًا كَثيرَا
رَأيتُ أَبا حَنيفةَ حينَ يُؤتى … ويُطلبُ عِلمُه بَحرًا غَزيرَا
إذا ما المُشكلاتُ تَدافَعتْها … رِجالُ العِلمِ كانَ بها بَصيرَا (^٢)
وبعدُ: فلَسْنا معَ مُتعصبَةِ الأَحنافِ الذين يَرفَعونَ الإمامَ أَبا حَنيفةَ فوقَ جميعِ عُلماءِ الأُمةِ، أو الذين يَعتقِدونَ أنَّ رَسولَ الله ﷺ بشَّرَ به، وأنَّه لقِيَ جَمعًا من الصَّحابةِ ورَوى عنهم، كما أنَّنا كذلك لَسْنا معَ الذين يَطعَنونَ فيه ويُجرِّحونَه، ويَنسُبونَ إليه الأَقاويلَ الشَّنيعةَ ظُلمًا وبُهتانًا، بل نَعتقِدُ أنَّه إمامٌ من أَئمةِ المُسلِمينَ، طيِّبُ السِّيرةِ والسَّريرةِ، سارَت بعُلومِه الرُّكبانُ، وانتَشرَ عِلمُه في سائرِ البُلدانِ، ونُشهِدُ اللهَ ﷿ على حبِّنا له، وهو
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٥٣).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٥٠).
[ ١ / ١٥ ]
من أَئمةِ الاجتِهادِ، مَأجورٌ على كلِّ حالٍ، إما أَجرًا كامِلًا إن كانَ مُصيبًا، وإما أَجرًا ناقِصًا إن أخطَأَ، وهو مَعذورٌ إنْ أخطَأَ، والأَئمةُ الأَربعةُ الكِرامُ لهم من المَنزلةِ الخاصَّةِ في قُلوبِ المُسلِمينَ؛ لانتِفاعِ الناسِ بعُلومِهم، ولعلَّ لهم من سَريرةِ الخيرِ ما رفَعَ اللهُ بهم مَنارَهم، وأَبقَى على مرِّ الزَّمانِ ذِكرَهم، فنَسألُ الله ﷿ أن يُميتَنا على حبِّهم، وأن يَحشُرَنا في جَمعِهم يومَ يُحشرُ المَرءُ معَ من أحَبَّ، وصلِّ اللهُمَّ وبارِكْ على مُحمدٍ وآلِه وصَحبِه وسلِّمْ.