ألَّا يَكونَ الحَديثُ قد بلَغَه، ومَن لم يَبلُغْه الحَديثُ لم يُكلَّفْ أنْ يَكونَ عالِمًا بمُوجِبِه، وإذا لم يَكُنْ قد بلَغَه -وقد قالَ في تلك القَضيةِ بمُوجِبِ ظاهِرِ آيةٍ، أو حَديثٍ آخَرَ، أو بمُوجِبِ قياسٍ، أو مُوجِبِ استِصحابٍ- فقد يُوافِقُ ذلك الحَديثَ تارةً، ويُخالِفُه أُخرى.
وهذا السَّببُ هو الغالِبُ على أكثَرِ ما يُوجدُ من أَقوالِ السَّلفِ، مُخالِفًا لبَعضِ الأَحاديثِ.
فإنَّ الإِحاطةَ بحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، لم تَكُنْ لأحدٍ من الأُمةِ.
وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُحدِّثُ، أو يُفتي، أو يَقضي، أو يَفعلُ الشَّيءَ، فيَسمعُه أو يَراه مَنْ يَكونُ حاضِرًا، ويُبلِّغُه أُولئك أو بعضُهم لمَن يُبلِّغونَه، فيَنتَهي عِلمُ ذلك إلى مَنْ يَشاءُ اللهُ من العُلماءِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم.
ثم في مَجلسٍ آخَرَ: قد يُحدِّثُ أو يُفتي أو يَقضي أو يَفعلُ شَيئًا، ويَشهَدُه بَعضُ من كانَ غائِبًا عن ذلك المَجلِس، ويُبلِّغونَه لمَن أمكَنَهم فيَكونُ عندَ هؤلاء من العِلمِ، ما ليسَ عندَ هؤلاء، وعندَ هؤلاء ما ليسَ عندَ هؤلاء.
وإنَّما يَتفاضَلُ العُلماءُ من الصَّحابةِ ومَن بعدَهم بكَثرةِ العِلمِ، أو جَودتِه.
وأمَّا إِحاطةُ واحِدٍ بجَميعِ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ فهذا لا يُمكِنُ ادِّعاؤُه قَطُّ.
[ ١ / ١٢٨ ]
واعتُبِرَ ذلك بالخُلفاءِ الراشِدينَ ﵃ الذين هُمْ أعلَمُ الأُمةِ بأُمورِ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنتِه، وأَحوالِه، خُصوصًا الصِّدِّيقَ ﵁ الذي لم يَكُنْ يُفارِقُه حَضَرًا ولا سَفرًا، بل كانَ يَكونُ معه في غالِبِ الأَوقاتِ، حتى إنَّه يَسمُرُ عندَه باللَّيلِ في أُمورِ المُسلِمينَ، وكذلك عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁، فإنَّه ﷺ كَثيرًا ما يَقولُ: «ودخَلتُ أنا وأبو بَكرٍ وعُمرُ وخرَجتُ أنا وأَبو بَكرٍ وعُمرُ» (^١).
ثم مع ذلك لمَّا سُئلَ أبو بَكرٍ ﵁ عن مِيراثِ الجَدةِ؟ قالَ: «ما لَكِ في كِتابِ اللهِ من شَيءٍ، وما علِمتُ لكِ في سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ من شَيءٍ، ولكنْ أَسألُ الناسَ» فسألَهم، فقامَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ ومُحمدُ بنُ مَسلَمةَ ﵄ فشهِدا: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعطاها السُّدسَ» (^٢)، وقد بلَّغَ هذه السُّنةَ عِمرانُ بنُ حُصَينٍ ﵁ أيضًا.
وليسَ هؤلاء الثَّلاثةُ مِثلَ أبي بَكرٍ وغيرِه من الخُلفاءِ ﵃ ثم قد اختُصُّوا بعِلمِ هذه السُّنةِ التي قد اتَّفَقت الأُمةُ على العَملِ بها.
وكذلك عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ لم يَكُنْ يَعلمُ سُنةَ الاستِئذانِ، حتى أخبَرَه بها أَبو موسَى الأَشعريُّ ﵁ واستَشهدَ بالأَنصارِ، وعُمرُ ﵁ أعلَمُ ممَّن حدَّثَه بهذه السُّنةِ (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٨٢) ومسلم (٢٣٨٩).
(٢) رواه أبو داود (٢٨٩٤)، الترمذي (٢١٠١)، ابن ماجه (٢٢٧٢٤) وابن حبان (١٢٢٤).
(٣) عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمَيرٍ «أنَّ أَبا موسَى الأَشعريَّ استَأذنَ على عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ فلم يُؤذَنْ له وكأنَّه كانَ مَشغولًا فرجَعَ أَبو موسَى ففرَغَ عُمرُ فقالَ: أَلم أسمَعْ صَوتَ عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ ائذَنوا له، قيلَ: قد رجَعَ، فدَعاه، فقالَ: كنَّا نُؤمَرُ بذلك، فقالَ تَأتيني على ذلك بالبَيِّنةِ، فانطلَقَ إلى مَجلسِ الأَنصارِ فسألَهم، فقالوا: لا يَشهدُ لك على هذا إلا أصغَرُنا، أَبو سَعيدٍ الخُدريُّ، فذهَبَ بأَبي سَعيدٍ الخُدريِّ فقالَ عُمرُ: أخَفِيَ هذا علَيَّ من أمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ألهاني الصَّفقُ بالأَسواقِ، يَعني الخُروجَ إلى تِجارةٍ» رَواه البخاري (١٩٥٦) ومسلم (٢١٥٣).
[ ١ / ١٢٩ ]
ولم يَكُنْ عُمرُ ﵁ أيضًا يَعلمُ أنَّ المَرأةَ تَرِثُ من دِيةِ زَوجِها، بل يَرى أنَّ الدِّيةَ للعاقِلةِ، حتى كتَبَ إليه الضَّحاكُ بنُ سُفيانَ الكِلابيُّ ﵁ وهو أَميرٌ لرَسولِ اللهِ ﷺ على بَعضِ البَوادي يُخبِرُه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ورَّثَ امرَأةَ أَشيَمَ الضِّبابِيِّ من دِيةِ زَوجِها» (^١)، فترَكَ رَأيَه لذلك، وقالَ: «لو لم نَسمَعْ بهذا لقَضينَا بخِلافِه».
ولم يَكنْ يَعلمُ حُكمَ المَجوسِ في الجِزيةِ حتى أخبَرَه عبدُ الرَّحمنِ ابنُ عَوفٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (^٢).
ولمَّا قدِمَ عُمرُ ﵁ سَرْغَ (^٣) وبلَغَه: أنَّ الطاعونَ بالشامِ، استَشارَ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ الذين معه، ثم الأَنصارَ، ثم مُسلِمةَ الفَتحِ، فأَشارَ كلٌّ
_________________
(١) رواه الشافعي في «مسنده» (ص ٢٠٩) مرسلًا.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٦١٦)، والشافعي في «مسنده» مُرسَلًا، وله طرقٌ مُرسلَةٌ بهذا اللفظ، وروى البخاري (٢٩٨٧)، وغيرُه: عن عُمرَ أنَّه لم يأخُذِ الجِزيةَ من المَجوسِ، حتى شهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أخَذهَا من مَجوسِ هجَرَ».
(٣) مَوضعٌ في آخِرِ الشامِ وأولِ الحِجازِ بينَ المغيثةِ وتَبوكَ من مَنازلِ حاجِّ الشامِ. وقيلَ: على ثَلاثَ عَشرةَ مَرحلةً من المَدينةِ النَّبويةِ «معجم البلدان».
[ ١ / ١٣٠ ]
عليه بما رَأى، ولم يُخبِرْه أحدٌ بسُنةٍ، حتى قدِمَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ ﵁ فأخبَرَه بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الطاعونِ، وأنَّه قالَ: «إذا وقَعَ بأرضٍ وأَنتُم بها فلا تَخرجُوا فِرارًا منه، وإذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقدَمُوا عليه» (^١).
وتَذاكَرَ هو وابنُ عَباسٍ ﵃ أمْرَ الذي يَشكُّ في صَلاتِه، فلم يَكُنْ قد بلَغَته السُّنةُ في ذلك، حتى قالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ عن النَّبيِّ ﷺ: «يَطرَحُ الشَّكَّ ويَبنِي على ما استَيقَنَ» (^٢).
وكانَ مَرةً في السَّفرِ، فهاجَت رِيحٌ فجعَلَ يَقولُ: «مَنْ يُحدِّثُنا عن الرِّيحِ؟» قالَ أبو هُرَيرةَ: «فبلَغَني وأنا في أُخرَياتِ الناسِ فحَثَثتُ راحِلَتي حتى أدرَكتُه فحَدَّثتُه بما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ عندَ هُبوبِ الرِّيحِ» (^٣).
فهذه مَواضِعُ لم يَكُنْ يَعلمُها عُمرُ ﵁ حتى بلَّغَه إياها مَنْ ليسَ مِثلَه.
ومَواضِعُ أُخَرُ، لم يَبلُغْه ما فيها من السُّنةِ، فقَضى فيها، أو أفتى فيها بغيرِ ذلك.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣٩٨)، ومسلم (٢٢١٩).
(٢) رواه مسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠) عن أَبي سَعيدٍ ولم أَجدْه بهذا اللَّفظِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ كما ذكَرَ شَيخُ الإِسلامِ، واللهُ أَعلَمُ.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٠٩٧) وغيرُه أنَّ أَبا هُريرةَ قال: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الرِّيحُ من رَوحِ اللهِ، فإذا رَأيتُموها فلا تَسبُّوها، وسَلوا اللهَ خَيرَها، واستَعيذوا باللهِ من شَرِّها».
[ ١ / ١٣١ ]
مِثلَما قَضى في دِيةِ الأَصابعِ: أنَّها مُختلِفةٌ بحَسَبِ مَنافِعِها، وقد كانَ عندَ أبي موسى وابنِ عَباسٍ ﵄ وهُما دونَه بكَثيرٍ في العِلمِ- عِلمٌ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «هذه وهذه سَواءٌ»، يَعني الإِبهامَ والخِنصَرَ (^١) فبلَغَت هذه السُّنةُ مُعاويةَ ﵁ في إِمارتِه، فقَضَى بها، ولم يَجدِ المُسلِمونَ بُدًّا من اتِّباعِ ذلك.
ولم يَكُنْ عَيبًا في حَقِّ عُمرَ ﵁ حيثُ لم يَبلُغْه الحَديثُ.
وكذلك كانَ ﵁ يَنهَى المُحرِمَ عن التَّطيُّبِ قبلَ الإِحرامِ، وقبلَ الإِفاضةِ إلى مَكةَ بعدَ رَميِ جَمرةِ العَقبةِ، هو وابنُه عبدُ اللهِ ﵄، وغيرُهما من أهلِ الفَضلِ، ولم يَبلُغْهم حَديثُ عائِشةَ ﵂: «طَيَّبتُ رَسولَ اللهِ ﷺ لإِحرامِه قبلَ أنْ يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أنْ يَطوفَ» (^٢).
وكانَ يأمُرُ لابِسَ الخُفِّ أنْ يَمسحَ عليه إلى أنْ يَخلَعَه، من غيرِ تَوقيتٍ، واتَّبَعه على ذلك طائِفةٌ من السَّلفِ، ولم تَبلُغْهم أَحاديثُ التَّوقيتِ التي صَحَّت عندَ بعضِ مَنْ ليسَ مِثلَهم في العِلمِ.
وقد رُويَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ من وُجوهٍ مُتعدِّدةٍ صَحيحةٍ (^٣).
وكذلك عُثمانُ ﵁ لم يَكُنْ عندَه عِلمٌ بأنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتَدُّ في بَيتِ المَوتِ، حتى حَدَّثته الفُرَيعةُ بِنتُ مالِكٍ، أُختُ أَبي سَعيدٍ
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٠).
(٢) رواه البخاري (١٦٦٧)، ومسلم (١١٨٩).
(٣) وقد بيَّنتُ ذلك في الكِتابِ في بابِ المَسحِ على الخُفينِ وسيَأتي إن شاءَ اللهُ مُفصلًا.
[ ١ / ١٣٢ ]
الخُدريِّ ﵄ بقَضيَّتِها لمَّا تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لها: «امكُثي فِي بَيتِك حتى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه» (^١) فأخَذَ به عُثمانُ ﵁.
وأُهديَ له مَرةً صَيدٌ كانَ قد صِيدَ لأَجلِه، فهَمَّ بأكلِه، حتى أخبَرَه علِيٌّ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ لَحمًا أُهديَ له» (^٢).
وكذلك علِيٌّ ﵁ قالَ: «كُنْتُ إذا سمِعتُ من رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا نفَعَني اللهُ بما شاءَ أنْ يَنفعَني منه، وإذا حدَّثَني غيرُه استَحلَفتُه، فإذا حلَفَ لي صَدَّقتُه وحَدَّثني أَبو بَكرٍ -وصدَقَ أَبو بَكرٍ- وذكَرَ حَديثَ صَلاةِ التَّوبةِ المَشهورَ» (^٣).
وأفتَى هو وابنُ عَباسٍ ﵄ وغيرُهما بأنَّ: «المُتوفَّى عنها إذا كانَت حامِلًا تَعتدُّ أبعَدَ الأجَلَينِ»، ولم يَكُنْ قد بلَغَتهم سُنةُ رَسولِ اللهِ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤) وابن ماجه (٢٠٣١).
(٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (١٦٧٢٦، ١٩٢٩٠).
(٣) عن أَسماءَ بنِ الحَكمِ الفَزاريِّ قالَ سمِعتُ عليًّا يَقولُ: كُنْتُ رَجلًا إذا سمِعتُ من رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا نفَعَني اللهُ منه بما شاءَ أنْ يَنفَعَني به، وإذا حدَّثَني رَجلٌ من أَصحابِه استَحلَفتُه فإذا حلَفَ لي صَدَّقتُه، وإنَّه حَدَّثني أبو بَكرٍ، وصدَقَ أبو بَكرٍ، قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مِنْ رَجلٍ يُذنبُ ذَنبًا ثم يَقومُ فيَتطهَّرُ ثم يُصلِّي ثم يَستغفرُ اللهَ إلا غفَرَ اللهُ له، ثم قرَأَ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥] صحيح: رواه الترمذي (٤٠٦) وابن ماجه (١٩٩٥).
[ ١ / ١٣٣ ]
ﷺ في سُبَيعةَ الأَسلميةِ ﵂ (^١) حيثُ أَفتاها النَّبيُّ ﷺ: «بأنَّ عِدَّتَها وَضعُ حَملِها» (^٢).
وأَفتى هو وزَيدٌ وابنُ عُمرَ وغيرُهم ﵃ بأنَّ المُفوَّضةَ: «إذا ماتَ عنها زَوجُها فلا مَهرَ لها» ولم تَكُنْ بلَغَتهم سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ في بَروعَ بِنتِ واشِقٍ ﵂ (^٣).
وهذا بابٌ واسِعٌ يَبلغُ المَنقولُ منه عن أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﵊ عَددًا كَثيرًا جِدًّا.
وأمَّا المَنقولُ منه عن غيرِهم فلا يُمكِنُ الإِحاطةُ به، فإنَّه أُلوفٌ.
فهؤلاء كانوا أعلَمَ الأُمةِ وأفقَهَها، وأَتقاها وأفضَلَها، فمَن بعدَهم أنقَصُ، فخَفاءُ بَعضِ السُّنةِ عليهم أوْلى، فلا يَحتاجُ ذلك إلى بَيانٍ.
فمَن اعتقَدَ أنَّ كلَّ حَديثٍ صَحيحٍ قد بلَغَ كلَّ واحدٍ من الأئِمةِ، أو إِمامًا مُعيَّنًا، فهو مُخطئٌ خَطأً فاحِشًا قَبيحًا.
ولا يَقولَنَّ قائِلٌ: إنَّ الأَحاديثَ قد دُوِّنت وجُمعَت، فخَفاؤُها والحالُ هذه بَعيدٌ، لأنَّ هذه الدَّواوينَ المَشهورةَ في السُّننِ إنَّما جُمعَت بعدَ انقِراضِ الأئِمةِ المَتبوعينَ ﵏.
_________________
(١) وقد تُوفِّي عنها زَوجُها سَعدُ بنُ خَولةَ.
(٢) رواه البخاري (٥٠١٣)، ومسلم (١٤٨٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١١٤) والترمذي (١١٤٥) وابن ماجه (١٨٩١).
[ ١ / ١٣٤ ]
ومع هذا لا يَجوزُ أنْ يُدَّعى انحِصارُ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ في دَواوينَ مُعيَّنةٍ.
ثم لو فُرضَ انحِصارُ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فليسَ كلُّ ما في الكُتبِ يَعلمُه العالِمُ، ولا يَكادُ ذلك يَحصُلُ لأحدٍ، بل قد يَكونُ عندَ الرَّجلِ الدَّواوينُ الكَثيرةُ، وهو لا يُحيطُ بما فيها، بل الذين كانوا قبلَ جَمعِ هذه الدَّواوينِ كانوا أعلَمَ بالسُّنةِ من المُتأخِّرينَ بكَثيرٍ؛ لأنَّ كَثيرًا ممَّا بلَغَهم وصَحَّ عندَهم قد لا يَبلُغُنا إلا عن مَجهولٍ أو بإِسنادٍ مُنقطِعٍ، أو لا يَبلُغُنا بالكُلِّيةِ، فكانَت دَواوينُهم صُدورَهم التي تَحوي أَضعافَ ما في الدَّواوينِ، وهذا أمرٌ لا يَشكُّ فيه مَنْ علِمَ القَضيةَ.
ولا يَقولَنَّ قائِلٌ بأنَّه مَنْ لم يَعرفِ الأَحاديثَ كلَّها لم يَكُنْ مُجتهِدًا؛ لأنَّه إنِ اشتُرِط في المُجتهدِ عِلمُه بجَميعِ ما قالَه النَّبيُّ ﷺ، وفِعلُه فيما يَتعلَّقُ بالأَحكامِ، فليس في الأُمةِ مُجتهدٌ، وإنَّما غايةُ العالِمِ أنْ يَعلمَ جُمهورَ ذلك ومُعظَمَه بحيث لا يَخفَى عليه إلا القَليلُ من التَّفصيلِ، ثم إنَّه قد يُخالِفُ ذلك القَليلَ من التَّفصيلِ الذي يَبلُغُه.