اعتِقادُه أنَّ الحَديثَ مُعارَضٌ بما يَدلُّ على ضَعفِه، أو نَسخِه، أو تَأويلِه إنْ كانَ قابِلًا للتَّأويلِ، بما يَصلحُ أنْ يَكونَ مُعارَضًا بالاتِّفاقِ، مِثلَ آيةٍ، أو حَديثٍ آخَرَ، أو مِثلَ إِجماعٍ.
وهذانِ نَوعانِ:
أحدُهما: أنْ يَعتقدَ أنَّ هذا المُعارِضَ راجِحٌ في الجُملةِ، فيَتعيَّنَ أحدُ الثَّلاثةِ من غيرِ تَعيينِ واحِدٍ منها.
وتارةً: يُعيِّنُ أحدَها، بأنْ يَعتقدَ أنَّه مَنسوخٌ، أو أنَّه مُؤوَّلٌ.
[ ١ / ١٤٤ ]
ثم قد يَغلَطُ في النَّسخِ، فيَعتقدَ المُتأخرَ مُتقدِّمًا.
وقد يَغلَطُ في التَّأويلِ، بأنْ يَحملَ الحَديثَ على ما لا يَحتمِلُه لَفظُه، أو أنَّ هناك ما يَدفعُه.
وإذا عارَضَه من حيث الجُملةُ، فقد لا يَكونُ ذلك المُعارِضُ دالًّا، وقد لا يَكونُ الحَديثُ المُعارِضُ في قُوةِ الأولِ إِسنادًا أو مَتنًا.
وتَجيءُ هنا الأَسبابُ المُتقدِّمةُ، وغيرُها في الحَديثِ الأولِ.
والإِجماعُ المُدَّعى في الغالِبِ إنَّما هو عَدمُ العِلمِ بالمُخالِفِ.
وقد وجَدْنا من أَعيانِ العُلماءِ مَنْ صاروا إلى القَولِ بأَشياءَ، مُتمسَّكُهم فيها عَدمُ العِلمِ بالمُخالِفِ.
مع أنَّ ظاهِرَ الأدِلةِ عندَهم يَقتَضي خِلافَ ذلك.
لكنْ لا يُمكنُ للعالِمِ أنْ يَبتدئَ قَولًا لم يَعلَمْ به قائِلًا مع عِلمِه بأنَّ الناسَ قد قالوا خِلافَه، حتى إنَّ منهم مَنْ يُعلِّقُ القَولَ، فيَقولُ: «إنْ كانَ في المَسألةِ إِجماعٌ فهو أحقُّ ما يُتَّبعُ، وإلا فالقَولُ عِندي كذا وكذا».
مِثلَ مَنْ يَقولُ: «لا أَعلمُ أَحدًا أجازَ شَهادةَ العَبدِ» وقَبولُها مَحفوظٌ عن علِيٍّ، وأنَسٍ، وشُرَيحٍ وغيرِهم ﵃، يَقولُ آخَرُ: «أجمَعوا على أنَّ المُعتَقَ بَعضُه لا يَرِثُ» وتَوريثُه مَحفوظٌ عن علِيٍّ، وابنِ مَسعودٍ ﵄ وفيه حَديثٌ حَسنٌ عن النَّبيِّ ﷺ (^١).
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٤٨١١) وغيرُه عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «المُكاتَبُ يَعتِقُ بِقَدرِ ما أدَّى ويُقامُ عليه الحَدُّ بِقَدْرِ ما عَتَقَ منه ويَرِثُ بِقَدْرِ ما عَتَقَ منه».
[ ١ / ١٤٥ ]
ويَقولُ آخَرُ: «لا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ» وإيجابُها مَحفوظٌ عن أبي جَعفرٍ الباقِرِ (^١).
وذلك أنَّ غايةَ كَثيرٍ من العُلماءِ أنْ يَعلمَ قَولَ أهلِ العِلمِ الذين أدرَكَهم في بِلادِه، فهو لا يَعلمُ أَقوالَ جَماعاتٍ غيرِهم.
كما تَجدُ كَثيرًا من المُتقدِّمينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ المَدنيِّينَ والكُوفيِّينَ، وتَجدُ كَثيرًا من المُتأخِّرينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ اثنَينِ، أو ثَلاثةٍ من الأئِمةِ المَتبوعينَ وما خرَجَ عن ذلك فإنَّه عندَه يُخالِفُ الإِجماعَ، لأنَّه لا يَعلمُ به قائِلًا، وما زالَ يَقرعُ سَمعَه خِلافُه.
فهذا لا يُمكنُه أنْ يَصيرَ إلى حَديثٍ يُخالِفُ هذا، لخَوفِه أنْ يَكونَ هذا خِلافًا للإِجماعِ، أو لاعتِقادِه أنَّه مُخالِفٌ للإِجماعِ، والإِجماعُ أعظَمُ الحُججِ.
وهذا عُذرُ كَثيرٍ من الناسِ في كَثيرٍ ممَّا يَتركونَه، وبعضُهم مَعذورٌ فيه حَقيقةً، وبعضُهم مَعذورٌ فيه، وليس في الحَقيقةِ بمَعذورٍ.
وكذلك كَثيرٌ من الأَسبابِ قبلَه وبعدَه.
_________________
(١) وقال بوُجوبِها أيضًا الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم، كما بيَّنتُ ذلك في مَوضِعِه بفَضلِ اللهِ.
[ ١ / ١٤٦ ]