أنْ يَكونَ الحَديثُ قد بلَغَه وثبَتَ عندَه، لكنْ نَسيَه.
وهذا يَرِدُ في الكِتابِ والسُّنةِ.
مِثلَ الحَديثِ المَشهورِ عن عُمرَ ﵁ أنَّه: «سُئلَ عن الرَّجلِ يُجنِبُ في السَّفرِ فلا يَجدُ الماءَ؟ فقالَ: لا يُصلِّي حتى يَجدَ الماءَ، فقالَ له عَمارُ بنُ ياسِرٍ ﵁: يا أَميرَ المُؤمِنينَ أمَا تَذكُرُ إذْ كُنْتُ أنا وأنتَ في الإبِلِ فأجنَبْنا فأمَّا أنا فتَمرَّغتُ كما تَمرَّغُ الدَّابةُ، وأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، فذكَرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّما يَكفيكَ هكذا»، وضرَبَ بيَدَيه الأرضَ فمسَحَ بهما وَجهَه وكَفَّيه. فقالَ له عُمرُ: اتَّقِ اللهَ يا عَمارُ، فقالَ: إنْ شِئتَ لم أُحدِّثْ به. فقالَ: «بل نُولِّيكَ من ذلك ما تَولَّيتَ» (^١).
فهذه سُنةٌ شهِدَها عُمرُ ﵁ ثم نَسيَها، حتى أفتَى بخِلافِها، وذكَّرَه عَمارٌ ﵁ فلم يَذكُرْ.
وهو لم يُكذِّبْ عَمارًا، بل أمَرَه أنْ يُحدِّثَ به.
وأبلَغُ من هذا: أنَّه خطَبَ الناسَ فقالَ: «لا يَزيدُ رَجلٌ على صَداقِ أَزواجِ النَّبيِّ ﷺ وبَناتِه إلا رَددتُه»، فقالَت له امرَأةٌ: «يا أَميرَ المُؤمِنينَ، لِمَ
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٠) ومسلم (٣٦٨).
[ ١ / ١٣٩ ]
تَحرِمُنا شَيئًا أَعطانا اللهُ إياه؟» ثم قَرَأت: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا …﴾ [النساء: ٢٠] (^١) فرجَعَ عُمرُ إلى قَولِها، وقد كانَ حافِظًا للآيةِ، ولكنْ نَسيَها.
وكذلك ما رُويَ أنَّ عليًّا ذكَّرَ الزُّبيرَ يَومَ الجَملِ شَيئًا عهِدَه إليهما رَسولُ اللهِ ﷺ فذَكَره، حتى انصرَفَ عن القِتالِ (^٢) وهذا كَثيرٌ في السَّلفِ والخَلفِ.