عَدمُ مَعرفتِه بدِلالةِ الحَديثِ.
تارةً لكَونِ اللَّفظِ الذي في الحَديثِ غَريبًا عندَه، مِثلَ لَفظِ:
«المُزابَنةِ» (^٣) و«المُحاقَلةِ» (^٤)
_________________
(١) قالَ المَناويُّ في «فيض القدير» (٧/ حديث: ١١٨٧): «حم ك» في الصداق (هب) كذا البزّار (عن عائشة) قال الحاكِمُ: صَحيحٌ على شَرطِ مُسلمٍ وأقرَّه الذَّهبيُّ وقالَ الزَّينُ العِراقيُّ: إِسنادُه جيِّدٌ. انتهى وقالَ الهَيثميُّ: فيه ابنُ سَخيرةَ، وقالَ: اسمُه عِيسى بنُ مَيمونَ وهو مَتروكٌ. انتهى
(٢) انظُرْ: «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٠) للحافِظِ ابنِ كَثيرٍ.
(٣) المُزابَنةُ: بَيعُ الرُّطبِ في رُؤوسِ النَّخلِ بالتَّمرِ، وأصلُه من الزَّبنِ وهو الدَّفعُ، كأنَّ كلَّ واحِدٍ من المُتبايِعَينِ يَزبِنُ صاحِبَه عن حَقِّه بما يَزدادُ منه، وإنَّما نَهى عنها لمَا يَقعُ فيها من الغَبنِ والجَهالةِ. (النهاية).
(٤) المُحاقَلةُ: مُختلَفٌ فيها. قيلَ: هي اكتِراءُ الأرضِ بالحِنطةِ. هكذا جاءَ مُفسَّرًا في الحَديثِ وهو الذي يُسمِّيه الزَّرَّاعونَ: المُحارَثةَ. وقيلَ: هي الزِّراعةُ على نَصيبٍ مَعلومٍ كالثُّلثِ والرُّبعِ ونَحوِهما. وقيلَ: هي بَيعُ الطَّعامِ في سُنبلِه بالبُرِّ. وقيلَ: بَيعُ الزَّرعِ قبلَ إدراكِه. وإنَّما نَهى عنها لأنَّها من المَكيلِ، ولا يَجوزُ فيه إذا كانا من جِنسٍ واحِدٍ إلا مِثلًا بمِثلٍ ويدًا بيَدٍ. وهذا مَجهولٌ لا يُدرَى أيُّهما أكثَرُ. (النهاية).
[ ١ / ١٤٠ ]
و«المُخابَرةِ» (^١) و«المُلامَسةِ» (^٢) و«المُنابَذةِ» (^٣) و«الغَررِ» (^٤) إلى غيرِ ذلك من الكَلماتِ الغَريبةِ التي قد يَختلِفُ العُلماءُ في تَفسيرِها.
وكالحَديثِ المَرفوعِ: «لا طَلاقَ ولا عِتاقَ في إِغلاقٍ» (^٥)، فإنَّهم قد فسَّروا «الإِغلاقَ» بالإِكراهِ، ومَن يُخالِفُه لا يَعرفُ هذا التَّفسيرَ.
وتارةً لكَونِ مَعناه في لُغتِه وعُرفِه غيرَ مَعناه في لُغةِ النَّبيِّ ﷺ وهو يَحمِلُه على ما يَفهمُه في لُغتِه، بِناءً على أنَّ الأَصلَ بَقاءُ اللُّغةِ.
كما سمِعَ بَعضُهم آثارًا في الرُّخصةِ في «النَّبيذِ» فظَنُّوه بعضَ أَنواعِ المُسكِرِ، لأنَّه لُغتُهم، وإنَّما هو ما يُنبَذُ لتَحليةِ الماءِ قبلَ أنْ يَشتدَّ، فإنَّه جاءَ مُفسَّرًا في أَحاديثَ كَثيرةٍ صَحيحةٍ.
_________________
(١) المُخابَرةُ: قيلَ: هي المُزارَعةُ على نَصيبٍ مُعيَّنٍ كالثُّلثِ والرُّبعِ وغيرِهما. (النهاية).
(٢) المُلامَسةُ: أنْ يَقولَ: إذا لمَستَ ثَوبي أو لمَستُ ثَوبَك فقد وجَبَ البَيعُ. وقيلَ: هو أنْ يَلمَسَ المَتاعَ من وَراءِ ثَوبٍ، ولا يَنظرَ إليه ثم يُوقعَ البَيعَ عليه. نُهيَ عنه لأنَّه غَررٌ، أو لأنَّه تَعليقٌ أو عُدولٌ عن الصِّيغةِ الشَّرعيةِ. (النهاية).
(٣) المُنابَذةُ: أنْ يَقولَ الرَّجلُ لصاحِبِه: انبِذْ إلَيَّ الثَّوبَ، أو أنبِذَه إليكَ ليَجبَ البَيعُ. وقيلَ: هو أنْ يَقولَ: إذا نَبَذتُ إليكَ الحَصاةَ فقد وجَبَ البَيعُ، فيَكونُ البَيعُ مُعاطاةً من غيرِ عَقدٍ، ولا يَصحُّ (النهاية).
(٤) الغَررُ: هو ما كان له ظاهِرٌ يَغرُّ المُشتريَ وباطِنٌ مَجهولٌ. وقالَ الأزهَريُّ: بَيعُ الغَررِ: ما كانَ على غيرِ عُهدةٍ ولا ثِقةٍ، وتَدخلُ فيه البُيوعِ التي لا يُحيطُ بكُنهِها المُتبايِعانِ من كلِّ مَجهولٍ. (النهاية).
(٥) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦).
[ ١ / ١٤١ ]
وسمِعوا لَفظَ «الخَمرِ» في الكِتابِ والسُّنةِ، فاعتَقَدوه عَصيرَ العِنبِ المُشتدِّ خاصَّةً، بِناءً على أنَّه كذلك في اللُّغةِ، وإنْ كانَ قد جاءَ من الأَحاديثِ أَحاديثُ صَحيحةٌ تُبيِّنُ أنَّ «الخَمرَ» اسمٌ لكلِّ شَرابٍ مُسكِرٍ (^١).
وتارةً: لكَونِ اللَّفظِ مُشتَرَكًا، أو مُجمَلًا، أو مُتردِّدًا بينَ حَقيقةٍ ومَجازٍ، فيَحملُه على الأَقربِ عندَه، وإنْ كانَ المُرادُ هو الآخَرَ.
كما حمَلَ جَماعةٌ من الصَّحابةِ في أولِ الأمرِ الخَيطَ الأَبيَضَ والخَيطَ الأَسوَدَ على الحَبلِ (^٢).
كما حمَلَ آخَرونَ قَولَه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على اليَدِ إلى الإبطِ.
وتارةً: لكَونِ الدِّلالةِ من النَّصِّ خَفيةً.
فإنَّ جِهاتِ دِلالاتِ الأَقوالِ مُتَّسعةٌ جِدًّا، يَتفاوَتُ الناسُ في إِدراكِها، وفَهمِ وُجوهِ الكَلامِ، بحَسبِ مَنحِ الحَقِّ سُبحانَه ومَواهِبِه.
_________________
(١) رَوى البُخاريُّ في التَّفسيرِ/ في بابِ قَولِه: إنَّما الخَمرُ والمَيسرُ والأَنصابُ والأَزلامُ رِجسٌ من عَملِ الشَّيطانِ (٤٣٤٣) عن ابنِ عُمرَ قالَ: سمِعتُ عُمرَ على مِنبَرِ النَّبيِّ ﷺ يَقولُ: أمَّا بَعدُ أيُّها الناسُ إنَّه نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وَهيَ من خَمسةٍ: من العِنَبِ والتَّمرِ والعَسلِ والحِنطةِ والشَّعِيرِ، والخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ.
(٢) روى البخاري (١٨١٧) عن عَديِّ بنِ حاتِمٍ قالَ: لمَّا نزَلَت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمدتُ إلى عِقالٍ أسوَدَ وإلى عِقالٍ أَبيضَ فجعَلتُهما تحتَ وِسادَتي فجعَلتُ أنظُرُ في اللَّيلِ فلا يَستَبينُ لي فغَدَوت على رَسولِ اللهِ ﷺ فذَكرتُ له ذلك فقالَ: «إنَّما ذلك سَوادُ اللَّيلِ وبَياضُ النَّهارِ».
[ ١ / ١٤٢ ]
ثم قد يَعرِفُها الرَّجلُ من حيثُ العُمومُ، ولا يَتفطَّنُ لكَونِ هذا المَعنى داخِلًا في ذلك العامِّ.
ثم قد يَتفطَّنُ له تارةً، ثم يَنساه بعدَ ذلك، وهذا بابٌ واسِعٌ جِدًّا لا يُحيطُ به إلا اللهُ.
وقد يَغلَطُ الرَّجلُ، فيَفهَمُ من الكَلامِ ما لا تَحمِلُه اللُّغةُ العَربيةُ التي بُعثَ الرَّسولُ ﷺ بها.