مُعارَضتُه بما يَدلُّ على ضَعفِه، أو نَسخِه، أو تَأويلِهٍ، ممَّا لا يَعتقدُه غيرُه أو جِنسُه مُعارِضًا، أو لا يَكونُ في الحَقيقةِ مُعارِضًا راجِحًا.
كمُعارضةِ كَثيرٍ من الكُوفيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بظاهِرِ القُرآنِ، واعتِقادِهم أنَّ ظاهِرَ القُرآنِ من العُمومِ ونَحوِه مُقدَّمٌ على نَصِّ الحَديثِ.
ثم قد يَعتقدُ ما ليسَ بظاهِرٍ ظاهِرًا، لمَا في دِلالاتِ القَولِ من الوُجوهِ الكَثيرةِ.
ولهذا رَدُّوا حَديثَ: «الشاهِدِ واليَمينِ» (^١) وإنْ كانَ غيرُهم يَعلمُ أنَّه ليسَ في ظاهِرِ القُرآنِ ما يَمنعُ الحُكمَ بشاهِدٍ ويَمينٍ، ولو كانَ فيه ذلك فالسُّنةُ هي المُفسِّرةُ للقُرآنِ عندَهم.
وللشافِعيِّ في هذه القاعِدةِ كَلامٌ مَعروفٌ (^٢) ولأَحمدَ فيها رِسالتُه
_________________
(١) رَوى التِّرمذُّي: كِتاب الأَحكامِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ بابُ ما جاءَ في اليَمينِ مع الشاهدِ (٣/ ٦٢٧) (الحديث: ١٣٤٣) عن رَبِيعَة بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ عن سُهَيلِ بنِ أَبي صَالِحٍ عن أَبيه عن أَبي هُريرةَ قالَ: «قضَى رَسولُ اللهِ ﷺ باليَمينِ مع الشاهِدِ الواحِدِ» قالَ رَبيعةُ: وأخبَرَني ابنٌ لسَعدِ بنِ عُبادةَ قالَ: وجَدنا في كِتابِ سَعدٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ مع الشاهِدِ» قالَ: وفي البابِ عن علِيٍّ وجابِرٍ وابنِ عباسٍ، وسُرقَ قالَ أَبو عِيسى: حَديثُ أَبي هُريرةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ مع الشاهِدِ الواحِدِ» حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ. وصحَّحه الألبانِيُّ في صَحيحِ وضَعيفِ سُننِ الترمذي (١٣٤٣).
(٢) انظُرْ: «الرسالة» للإمام الشافعي (٦٤ - ٧٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
المَشهورةُ في الرَّدِّ على مَنْ يَزعمُ الاستِغناءَ بظاهِرِ القُرآنِ عن تَفسيرِه بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
وقد أورَدَ فيها مِنْ الدَّلائلِ ما يَضيقُ هذا المَوضعُ عن ذِكرِه.
ومِن ذلك دَفعُ الخَبَرِ الذي فيه تَخصيصٌ لعُمومِ الكِتابِ، أو تَقييدٌ لمُطلَقِه، أو فيه زيادةٌ عليه، واعتِقادُ مَنْ يَقولُ ذلك أنَّ الزِّيادةَ على النَّصِّ -كتَقييدِ المُطلَقِ- نَسخٌ، وأنَّ تَخصيصَ العامِّ نَسخٌ.
وكمُعارضةِ طائِفةٍ من المَدنيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بعَملِ أهلِ المَدينةِ، بِناءً على أنَّهم مُجمِعونَ على مُخالفةِ الخَبَرِ، وأنَّ إِجماعَهم حُجةٌ مُقدَّمةٌ على الخَبَرِ.
كمُخالفةِ أَحاديثِ «خِيارِ المَجلِسِ» (^١) بِناءً على هذا الأَصلِ.
وإنْ كانَ أكثَرُ الناسِ قد يُثبِتونَ: أنَّ المَدنيِّينَ قد اختَلَفوا في تلك المَسألةِ، وأنَّهم لو أَجمَعوا وخالَفَهم غيرُهم، لكانَت الحُجةُ في الخَبَرِ (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب البيوع بابُ إذا خيَّرَ أَحدُهما صاحبَه بعدَ البَيعِ فقد وجَبَ. (٢/ ٧٤٤) الحديث: (٢٠٠٦) ومسلم: كتاب البُيوعِ بابُ ثُبوتِ خِيارِ المَجلسِ للمُتبايعَينِ (٣/ ١١٦٣) (الحديث: ١٥٣١) واللفظ له، عن ابنِ عُمرَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا تَبايَعَ الرَّجلانِ فكلُّ واحدٍ منهما بالخِيارِ ما لم يَتفرَّقا وكانا جَميعًا أو يُخيِّرُ أحدُهما الآخَرَ فإنْ خيَّرَ أحدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذلك فقد وجَبَ البَيعُ وإنْ تَفرَّقا بعدَ أنْ تَبايَعا ولم يَترُكْ واحِدٌ منهما البَيعَ فقد وجَبَ البَيعُ».
(٢) ومِثلُ ذلك أيضًا حَديثُ صِيامِ السِّتِّ من شَوالٍ كما سيَأتي في كِتابِ الصِّيامِ.
[ ١ / ١٤٨ ]
وكمُعارَضةِ قَومٍ من البَلدَينِ بَعضَ الأَحاديثِ بالقياسِ الجَليِّ، بِناءً على أنَّ القَواعدَ الكُليةَ لا تُنقضُ بمِثلِ هذا الخَبَرِ.
إلى غيرِ ذلك من أَنواعِ المُعارضاتِ، سَواءٌ كانَ المُعارِضُ مُصيبًا أو مُخطِئًا.
فهذه الأَسبابُ العَشرةُ ظاهِرةٌ.
وفي كَثيرٍ من الأَحاديثِ يَجوزُ أنْ يَكونَ للعالِمِ حُجةٌ في تَركِ العَملِ بالحَديثِ لم نَطَّلعْ نحن عليها، فإنَّ مَدارِكَ العِلمِ واسِعةٌ، ولم نَطَّلعْ نحن على جَميعِ ما في بَواطِنِ العُلماءِ.
والعالِمُ قد يُبدي حُجَّتَه، وقد لا يُبديها، وإذا أَبداها فقد تَبلُغُنا وقد لا تَبلُغُنا، فإذا بلَغَتنا فقد نُدركُ مَوضعَ احتِجاجِه، وقد لا نُدركُه، سَواءٌ كانَت الحُجةُ صَوابًا في الأمرِ نَفسِه أو لا.
لكنْ نحن -وإنْ جَوَّزنا هذا- لا يَجوزُ لنا أنْ نَعدِلَ عن قَولٍ ظهَرَت حُجتُه بحَديثٍ صَحيحٍ وافَقَه طائِفةٌ من أهلِ العِلمِ، إلى قَولٍ آخَرَ قالَه عالِمٌ يَجوزُ أنْ يَكونَ معه ما يَدفعُ به هذه الحُجةَ، وإنْ كانَ أعلَمَ.
إذْ تَطرُّقُ الخَطأِ إلى آراءِ العُلماءِ أكثَرُ من تَطرُّقِه إلى الأدِلةِ الشَّرعيةِ. فإنَّ الأدِلةَ الشَّرعيةَ حُجةُ اللهِ على جَميعِ عِبادِه، بخِلافِ رَأيِ العالِمِ.
والدَّليلُ الشَّرعيُّ يَمتنِعُ أنْ يَكونَ خَطأً إذا لم يُعارِضْه دَليلٌ آخَرُ، ورأيُ العالِمِ ليسَ كذلك.
[ ١ / ١٤٩ ]
ولو كانَ العَملُ بهذا التَّجويزِ جائِزًا، لمَا بقِيَ في أَيدينا شَيءٌ من الأدِلةِ التي يَجوزُ فيها مِثلُ هذا.
لكنَّ الغَرضَ أنَّه في نَفسِه قد يَكونُ مَعذورًا في تَركِه له، ونحن مَعذورونَ في تَركِنا لهذا التَّركِ.
وقد قالَ اللهُ ﷾: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ …﴾ [البقرة: ١٣٤] الآيةَ.
وقالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
وليسَ لأحدٍ أنْ يُعارِضَ الحَديثَ الصَّحيحَ عن النَّبيِّ ﷺ بقَولِ أحدٍ من الناسِ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ ﵄ لرَجلٍ سألَه عن مَسألةٍ، فأَجابَه فيها بحَديثٍ، فقالَ له: قالَ أبو بَكرٍ وعُمرُ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: «يُوشكُ أنْ تَنزلَ عليكم حِجارةٌ من السَّماءِ، أَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ، وتَقولونَ: قالَ أَبو بَكرٍ وعُمرُ؟!».
وإذا كانَ التَّركُ يَكونُ لبَعضِ هذه الأَسبابِ، فإذا جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ فيه تَحليلٌ، أو تَحريمٌ، أو حُكمٌ، فلا يَجوزُ أنْ يُعتقدَ أنَّ التارِكَ له من العُلماءِ الذين وَصَفنا أَسبابَ تَركِهم، يُعاقَبُ لكَونِه حلَّلَ الحَرامَ أو حرَّمَ الحَلالَ، أو حكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ.
وكذلك إنْ كانَ في الحَديثِ وَعيدٌ على فِعلٍ، من لَعنةٍ، أو غَضبٍ، أو عَذابٍ، أو نَحوِ ذلك، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذلك العالِمَ الذي أَباحَ هذا أو فعَلَه داخِلٌ في هذا الوَعيدِ.
[ ١ / ١٥٠ ]
وهذا ممَّا لا نَعلمُ بينَ الأُمةِ فيه خِلافًا، إلا شَيئًا يُحكَى عن بعضِ مُعتزلةِ بَغدادَ، مِثلَ المَريسيِّ (^١) وأَضرابِه، أنَّهم زعَموا أنَّ المُخطئَ من المُجتهِدينَ يُعاقَبُ على خَطئِه.
وهذا لأنَّ لُحوقَ الوَعيدِ، لمَن فعَلَ المُحرَّمَ مَشروطٌ بعِلمِه بالتَّحريمِ، أو بتَمكُّنِه من العِلمِ بالتَّحريمِ.
فإنَّ مَنْ نشَأَ ببادِيةٍ، أو كانَ حَديثَ عَهدٍ بإِسلامٍ، وفعَلَ شَيئًا من المُحرَّماتِ غيرُ عالِمٍ بتَحريمِها، لم يأثَمْ، ولم يُحَدْ، وإنْ لم يَستنِدْ في استِحلالِه إلى دَليلٍ شَرعيٍّ.
فمَن لم يَبلُغْه الحَديثُ المُحرِّمُ، واستنَدَ في الإِباحةِ إلى دَليلٍ شَرعيٍّ أوْلى أنْ يَكونَ مَعذورًا.
ولهذا كانَ هذا مَأجورًا مَحمودًا، لأَجلِ اجتِهادِه، قالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فاختَصَّ سُليمانَ بالفَهمِ، وأثْنَى عليهما بالحُكمِ والعِلمِ.
_________________
(١) هو بِشرُ بن غِياثِ بنِ أبي كَريمةَ عبدِ الرَّحمنِ المَريسيُّ العَدويُّ بالوَلاءِ، فَقيهٌ مُعتزليٌّ، عارِفٌ بالفَلسفةِ، وهو رَأسُ الطائِفةِ المَريسيةِ القائِلةِ بالإِرجاءِ، وإليه نِسبتُها، قالَ برَأيِ الجَهميةِ، له تَصانيفُ، ولعُثمانَ بنِ سَعيدٍ الدارِميِّ كِتابُ: «النَّقض على بِشرٍ المَريسيِّ» في الرَّدِّ على مَذهبِه، تُوفِّيَ سَنةَ ٣١٨ هـ، وكانَ داعيةً إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ. نَسألُ اللهَ السَّلامةَ.
[ ١ / ١٥١ ]
وفي الصَّحيحَينِ: عن عَمرِو بنِ العاصِ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأَصابَ فله أَجرانِ وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أجرٌ».
فتَبيَّنَ أنَّ المُجتهدَ، مع خَطئِه، له أجرٌ، وذلك لأَجلِ اجتِهادِه، وخَطؤُه مَغفورٌ له، لأنَّ إِدراكَ الصَّوابِ في جَميعِ أَعيانِ الأَحكامِ إمَّا مُتعذَّرٌ، وإمَّا مُتعسِّرٌ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وفي الصَّحيحَينِ: عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه قالَ لأَصحابِه عامَ الخَندقِ: «لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العَصرَ إلا في بَني قُرَيظةَ»، فأدرَكَتهم صَلاةُ العَصرِ في الطَّريقِ فقالَ بعضُهم: لا نُصلِّي إلا في بَني قُرَيظةَ، وقالَ بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا هذا؛ فصَلَّوْا في الطَّريقِ. فلم يَعِبْ واحِدةً من الطائِفتَينِ» (^١).
فالأوَّلونَ: تَمسَّكوا بعُمومِ الخِطابِ، فجَعَلوا صُورةَ الفَواتِ داخِلةً في العُمومِ.
والآخَرونَ: كانَ معهم من الدَّليلِ ما يُوجِبُ خُروجَ هذه الصُّورةِ عن العُمومِ، فإنَّ المَقصودَ: المُبادرةُ إلى القَومِ.
وهي مَسألةٌ اختَلفَ فيها الفُقهاءُ اختِلافًا مَشهورًا: هل يُخصُّ العُمومُ بالقياسِ؟ ومع هذا فالذين صَلَّوْا في الطَّريقِ كانوا أصوَبَ فِعلًا. وكذلك بِلالٌ ﵁ لمَّا باعَ الصاعَينِ من التَّمرِ بالصاعِ، أمَرَه النَّبيُّ ﷺ
_________________
(١) رواه البخاري (٩٠٤، ٣٨٩٣)، مسلم (١٧٧٠).
[ ١ / ١٥٢ ]
برَدِّه (^١)، ولم يُرتِّبْ على ذلك حُكمَ آكِلِ الرِّبا، من التَّفسيقِ، واللَّعنِ، والتَّغليظِ لعَدمِ عِلمِه بالتَّحريمِ.
وكذلك عَديُّ بنُ حاتِمٍ وجَماعةٌ من الصَّحابةِ ﵃ لمَّا اعتَقَدوا أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَعناه: الحِبالُ البِيضُ والسُّودُ، فكانَ أحدُهم يَجعلُ عندَ وِسادَتِه عِقالَينِ أبيَضَ وأسوَدَ، ويَأكُلُ حتى يَتبيَّنَ أحدُهما من الآخَرِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعَديٍّ: «إنَّ وِسادَكَ إذًا لعَريضٌ إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيلِ» (^٢).
فأشارَ إلى عَدمِ فِقهِه لمَعنى الكَلامِ، ولم يُرتِّبْ على هذا الفِعلِ ذَمَّ مَنْ أفطَرَ في رَمضانَ، وإنْ كانَ مِنْ أعظَمِ الكَبائرِ.
بخِلافِ الذين أفتَوْا المَشجوجَ في البَردِ بوُجوبِ الغُسلِ، فاغتسَلَ فماتَ، فإنَّه ﷺ قالَ: «قَتَلوه قتَلَهم اللهُ، هلَّا سألوا إذا لم يَعلَموا؟ إنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري: كتابُ الوَكالةِ بابُ إذا باعَ الوَكيلُ شيئًا فاسدًا فبَيعُه مَردودٌ (٢/ ٨١٣) (الحديث: ٢١٨٨)، مسلم: كتابُ المساقاةِ بابُ بَيعِ الطَّعامِ مِثلًا بمِثلٍ (٣/ ١٢١٥) (الحديث: ١٥٩٤) عن أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: جاءَ بِلالٌ بتَمرٍ بَرنِيٍّ فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: «مِنْ أينَ هذا؟» فقالَ بِلالٌ: تَمرٌ كانَ عندَنا رَديءٌ فبِعتُ منه صاعَينِ بصاعٍ لمَطعمِ النَّبيِّ ﷺ فقالَ رَسولُ اللهِ عندَ ذلك: «أَوَّه، عَينُ الرِّبا، لا تَفعَلْ، ولكنْ إذا أرَدتَ أنْ تَشتريَ التَّمرَ فبِعْه ببَيعٍ آخَرَ ثم اشتَرِ به».
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٣) حَدِيثٌ حسنٌ: وسيَأتي تَخريجُه إنْ شاءَ اللهُ.
[ ١ / ١٥٣ ]
فإنَّ هؤلاء أَخطؤُوا بغيرِ اجتِهادٍ، إذْ لم يَكونوا من أهلِ العِلمِ.
وكذلك لم يُوجِبْ على أُسامةَ بنِ زَيدٍ قَوَدًا ولا دِيةً، ولا كَفارةً، لمَّا قتَلَ الذي قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ»، في غَزوةِ الحُرَقاتِ (^١) (^٢).
فإنَّه كانَ مُعتقِدًا جَوازَ قَتلِه، بِناءً على أنَّ هذا الإِسلامَ ليسَ بصَحيحٍ، مع أنَّ قَتلَه حَرامٌ.
وعمِلَ بذلك السَّلفُ، وجُمهورُ الفُقهاءِ، في أنَّ ما استَباحَه أهلُ البَغيِ من دِماءِ أهلِ العَدلِ بتَأويلٍ سائِغٍ، لم يُضمَنْ بقَوَدٍ ولا دِيةٍ ولا كَفارةٍ، وإنْ كانَ قَتلُهم وقِتالُهم مُحرمًا.
وهذا الشَّرطُ الذي ذكَرناه في لُحوقِ الوَعيدِ، لا يَحتاجُ أنْ يُذكَرَ في كلِّ خِطابٍ، لاستِقرارِ العِلمِ به في القُلوبِ.
_________________
(١) مسلم: كتابُ الإيمانِ بابُ تَحريمِ قَتلِ الكافرِ بعدَ أنْ قالَ لا إلهَ إلا. (١/ ٩٦) (الحديث: ٩٦)، البخاري (٤/ ١٥٥٥) (الحديث: ٤٠٢١).
(٢) روى البخاري (٤/ ١٥٥٥) (الحديث: ٤٠٢١) ومسلم: كتابُ الإيمانِ بابُ تَحريمِ قَتلِ الكافرِ بعدَ أنْ قالَ: لا إلهَ إلا. (١/ ٩٦) (الحديث: ٩٦) عن أُسامةَ بنِ زَيدٍ وهذا حَديثُ ابنِ أبي شَيبةَ قالَ بعثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريةٍ فصَبَّحنا الحُرَقاتِ من جُهَينةَ فأدرَكتُ رَجلًا فقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فطَعنتُه فوقَعَ في نَفسي من ذلك فذكَرتُه للنَّبيِّ ﷺ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أقالَ لا إلهَ إلا اللهُ وقتَلتَه؟» قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّما قالَها خَوفًا من السِّلاحِ، قالَ: «أفلا شَقَقتَ عن قَلبِه حتى تَعلمَ أقالَها أم لا؟» فما زالَ يُكرِّرُها عليَّ حتى تَمنَّيتُ أني أسلَمتُ يَومَئذٍ، قالَ: فقالَ سَعدٌ: وأنا واللهِ لا أقتُلُ مُسلِمًا حتى يَقتلَه ذو البَطينِ، يَعني أُسامةَ، قالَ: قالَ رَجلٌ: ألم يَقُلِ اللهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فقالَ سَعدٌ: قد قاتَلنا حتى لا تَكونَ فِتنةٌ، وأنتَ وأَصحابُك تُريدونَ أنْ تُقاتِلوا حتى تَكونَ فِتنةٌ.
[ ١ / ١٥٤ ]
كما أنَّ الوَعدَ على العَملِ مَشروطٌ بإِخلاصِ العَملِ للهِ، وبعَدمِ حُبوطِ العَملِ بالرِّدةِ.
ثم إنَّ هذا الشَّرطَ لا يُذكَرُ في كلِّ حَديثٍ فيه وَعدٌ.
ثم حيث قُدِّرَ قيامُ المُوجِبِ للوَعيدِ، فإنَّ الحُكمَ يَختلِفُ عنه لمانِعٍ.
إلى آخِرِ كَلامِه ﵀ تَعالى.
[ ١ / ١٥٥ ]