ظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ الماءَ الذي استُعملَ في رَفعِ الحَدثِ ولم يَتغيرْ أحدُ أَوصافِه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، لا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَرفعُ الحَدثَ ويُزيلُ الخَبثَ (^٢)؛ لأنَّه غُسلَ به مَحلٌّ طاهِرٌ، فلم تَزلْ به طَهوريتُه كما لو غسَلَ به الثَّوبَ، ولأنَّه لاقَى مَحلًّا طاهِرًا فلا يَخرجُ عن حُكمِه بتَعدِّيه الفَرضَ به، كالثَّوبِ يُصلَّى فيه مِرارًا.
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في طَهارةٍ مُستحَبةٍ غيرِ واجِبةٍ كتَجديدِ الوُضوءِ والغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ في الوُضوءِ، والغُسلِ للجُمعةِ والعِيدَينِ وغيرِها ففيه رِوايتانِ:
_________________
(١) «المهذب» (١/ ٨)، و«المجموع» (٢/ ١٣٩، ١٤٠)، وراجع كلام النووي فإنه مفيد.
(٢) وبه قالَ الحسنُ وعطاءٌ والنَّخعيُّ والزُّهريُّ ومَكحولٌ وأهلُ الظاهرِ، والرِّوايةُ الثانيةُ لمالِكٍ، والقولُ الثاني للشافِعيِّ. وهواختِيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥١٩)، وابن المنذر. انظر: «الأوسط» (١/ ٢٨٥، ٢٨٨)، و«المغني» (١/ ٤٦)، وهو أيضًا قولُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عمرُ وأبي أُمامةَ.
[ ١ / ٢٠١ ]
إحداهُما: أنَّه كالمُستعمَلِ في رَفعِ الحَدثِ؛ لأنَّها طَهارةٌ مَشروعةٌ، أشبَهَ ما لو اغتسَلَ به من جَنابةٍ.
والثاني: لا يَمنعُ الطَّهوريةَ؛ لأنَّه لم يَزلْ مانِعًا من الصَّلاةِ، أشبَهَ ما لو تبَرَّدَ به؛ فإنْ لم تَكنِ الطَّهارةُ مَشروعةً لم يُؤثِّرِ استِعمالُ الماءِ فيها شَيئًا كالغَسلةِ الرابِعةِ في الوُضوءِ، وكانَ كما لو تبَرَّدَ، أو غسَلَ به ثَوبَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَختلفُ الرِّوايةُ أنَّ ما استُعملَ في التبَرُّدِ والتَّنظيفِ أنَّه باقٍ على إطلاقِه، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (^١).
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في تَعبُّدٍ من غيرِ حَدثٍ كغَسلِ اليَدينِ من نَومِ اللَّيلِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ قُلنا: ليسَ ذلك بواجِبٍ، لم يُؤثِّرِ استِعمالُه في الماءِ، وإنْ قُلنا بوُجوبِه قالَ القاضِي: هو طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، وذكَرَ أبو الخَطابِ فيه روايتَين:
إحداهُما: أنَّه يَخرجُ عن إطلاقِه؛ لأنَّه مُستعمَلٌ في طَهارةِ تَعبُّدٍ، أشبَهَ المُستعمَلَ في رَفعِ الحَدثِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يَغمسَ القائِمُ من نَومِ اللَّيلِ يَدَه في الإناءِ قبلَ غَسلِها، فدَلَّ ذلك على أنَّه يُفيدُ مَنعًا.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه باقٍ على إِطلاقِه؛ لأنَّه لم يَرفعْ حَدثًا، أشبَهَ المُتبرِّدَ به (^٢).
_________________
(١) «المغني» (١/ ٤٦).
(٢) «المغني» (١/ ٤٣، ٤٦).
[ ١ / ٢٠٢ ]
وجُملةُ ما تقدَّمَ يَتلخَّصُ في الآتي:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ -وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ- إلى أنَّ الماءَ المُستعمَلَ الذي قد تُوُضِّئَ به مَرةً لا يُتوضَّأُ به، ومَن تَوضَّأ به أعادَ أبَدًا؛ لأنَّه ليسَ بماءٍ مُطلَقٍ، ويَتيممُ واجِدُه؛ لأنَّه ليسَ بواجِدِ ماءٍ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّه لا يُتوضَّأُ به إذا وُجدَ غيرُه وقالَ: لا خَيرَ فيه؛ فإنْ لم يَجدْ غيرَه توَضَّأ به ولم يَتيممْ؛ لأنَّه ماءٌ طاهِرٌ لم يُغيرْه شَيءٌ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَجوزُ الوُضوءُ به.
أمَّا الماءُ الذي استُعملَ في التَّبريدِ والتَّنظيفِ فإنَّه باقٍ على إطلاقِه يَجوزُ التَّطهُّرُ به بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (^١).
_________________
(١) «التمهيد» (٤/ ٤٢، ٤٣)، و«الأوسط» (١/ ٢٨٥)، و«نيل الأوطار» (١/ ٦٣)، و«المغني» (١/ ٤٦)، وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ في «الفتح» (١/ ٤١٤)، وهو يَشرحُ حَديثَ أبي هُرَيرةَ: «لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائِمِ ولا يَغتسلْ فيه من الجَنابةِ، قيلَ: كيف يَفعلُ يا أبا هُرَيرةَ؟ قالَ يَتناوَلُه تَناوُلًا» فدَلَّ على أنَّ المَنعَ من الانغِماسِ فيه لئلَّا يَصيرَ مُستعمَلًا فيَمتنعَ عن الغيرِ الانتِفاعُ به، والصَّحابِيُّ أعلَمُ بموارِدِ الخِطابِ من غيرِه، وهذا مِنْ أَقوى الأدِلةِ على أنَّ المُستعمَلَ غيرُ طَهورٍ.
[ ١ / ٢٠٣ ]