﷽
الحَمدُ للهِ مُسبِغِ النِّعمِ، ومُسوغِ القِسمِ، والمُنفرِدِ بالقِدمِ وبارئِ النَّسمِ، على ما وفَّقَ مَنْ اجتَباه من عِبادِه للتَّفقُّهِ في الدينِ، ونوَّهَ بذلك في الذِّكرِ الحَكيمِ فقالَ تعالَى وهو أَصدقُ القائِلينَ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
أَحمدُه سُبحانَه على ما شيَّدَ بمَنهجِ دِينِه أَركانَ الشَّريعةِ الغرَّاءِ، وسدَّدَ بأَحكامِه فُروعَ الحَنيفيةِ السَّمحاءِ، سُبحانَه عمَّ فَضلُه وإِحسانُه، وأَتَمَّ حُجتَه وبُرهانَه، وظهَرَ أمرُه وسُلطانُه، سُبحانَه ما أعظَمَ شانَه!
أسبَغَ علينا بفَضلِه مَلابسَ إِنعامِه، وبصَّرَنا من شَرعِه بحَلالِه وحَرامِه، أَحمَدُه حَمدًا يَفوقُ حمدَ الحامِدينَ، وأَشكرُه شُكرًا عددَ الأَيامِ والسِّنينَ.
وأَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، العالِمُ بانقِيادِ الأَفئدةِ وامتِناعِها، المُطَّلعُ على ضَمائرِ القُلوبِ في حالةِ افتِراقِها واجتِماعِها، وأَشهدُ أنَّ مُحمدًا عبدُه ورَسولُه، سيدُ الأَبرارِ المَبعوثُ من أَطهرِ بيتٍ في
[ ١ / ٥ ]
مُضرَ بنِ نِزارٍ المَبعوثُ رَحمةً لِلعالَمينَ، ونورًا لسائرِ الخَلائقِ إلى يومِ الدِّينِ، أرسَلَه حينَ درَسَت أَعلامُ الهُدى، وظهَرَت أَعلامُ الرَّدى، وانطَمسَ مَنهجُ الحقِّ وعَفا، وأَشرفَ مِصباحُ الصِّدقِ على الانطِفا، فأَعلى مِنْ الدينِ مَعالمَه، ومِن حُكمِ الشَّرعِ دَلائلَه، فانشَرحَ به صُدورُ أهلِ الإِيمانِ، وانْزاحَت به شُبهاتُ أهلِ الطُّغيانِ، ﷺ ما دامَت السماءُ والأرضُ هذه في سُموِّها وهذه في اتِّساعِها، وعلى آلهِ البَررةِ، وصَحبِه الخِيرةِ، مَصابيحِ الأُممِ ومَفاتيحِ الكَرمِ، وخُلفاءِ الدِّينِ، وحُلفاءِ اليَقينِ، الذين بلَغوا من مَحاسنِ الفَضائلِ الغايةَ، ووصَلوا من مَكارمِ الفَواضلِ نِهايةَ النِّهايةِ، الحافِظينَ لمَعالمِ الدِّينِ عن الاندِراسِ والانطِماسِ، الذين كَسروا جُيوشَ المَردةِ، وفتَحوا حُصونَ قِلاعِها، وهجَروا في مَحبةِ داعِيهم إلى اللهِ الأَوطارِ والأَوطانِ، ولم يُعاودُوها بعدَ وَداعِها وحفِظوا على أَتباعِهم أَقوالَه وأَفعالَه وأَحوالَه حتى أمِنَت بهم السُّنةُ الشَّريفةُ من ضَياعِها.
وبعدُ: فإنَّ العُلومَ وإن كانَت تَتعاظَمُ شَرفًا، وتَطلعُ في سَماءِ العُلا كَواكبُها شَرفًا، فلا مِريةَ في أن الفِقهَ أجلُّها قَدرًا، وأَعلاها فَخرًا وأَبلغُها فَضيلةً، وأَنجحُها وَسيلةً؛ لأنَّ به يُعرفُ الحَلالُ والحَرامُ، ويَدينُ الخاصُّ والعامُّ، وتبِينُ مَصابيحُ الهُدى من ظَلامِ الضَّلالِ وضَلالِ الظلامِ، قُطبُ الشَّريعةِ وأَساسُها، وقَلبُ الحَقيقةِ الذي إذا صلَحَ صلَحَت، فهو أَولى ما أُنفقَت فيه نَفايسُ الأَوقاتِ، وشمَّرَ في إِدراكِه والتَّمكنِ فيه أَصحابُ الأنفُسِ الزَّكياتِ، وبادَرَ إلى الاهتِمامِ به المُسارِعونَ إلى المَكرماتِ، وسارَعَ إلى
[ ١ / ٦ ]
التَّحلِّي به مُستبِقو الخَيراتِ، وقد تَظاهَرَ على ما ذكَرْته جُملٌ من آياتِ القُرآنِ الكَريماتِ، والأَحاديثِ الصَّحيحةِ النَّبويةِ المَشهوراتِ، ولا ضَرورةَ إلى الإِطنابِ بذكْرِها هنا؛ لكَونِها الواضِحاتِ الجَلياتِ.
وقد امتَنَّ الله ﷾ على هذه الأُمةِ بإِبقاءِ طائِفةٍ منها على الحقِّ لا يَضرُّهم من خذَلُهم ولا من خالَفَهم حتى يَأتِيَ أمرُ اللهِ وهم على ذلك، وجعَلَ السَّببَ في بَقائِهم بَقاءَ عُلمائِهم واقتِداءَهم بأئِمتِهم وفُقائِهم، وجعَلَ هذه الأُمةَ معَ عُلمائِها كالأُممِ الخالِيةِ معَ أَنبيائِها، وأظهَرَ في كلِّ طَبقةٍ من فُقهائِها أَئمةً يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رَأيِها، وجعَلَ في سَلفِ هذه الأُمةِ أَئمةً من الأَعلامِ، مهَّدَ بهم قَواعدَ الإِسلامِ وأَوضحَ بهم مُشكلاتِ الأَحكامِ، اتِّفاقُهم حُجةٌ قاطِعةٌ، واختِلافُهم رَحمةٌ واسِعةٌ، تَحيا القُلوبُ بأَخبارِهم، وتَحصُلُ السَّعادةُ باقتِفاءِ أَثرِهم، ثم اختَصَّ منهم نَفرًا أَعلى قَدرَهم ومَناصبَهم، وأَبقى ذِكرَهم ومَذاهبِهم، فعلى أَقوالِهم مَدارُ الأَحكامِ، وبمَذاهبِهم يُفتِي فُقهاءُ الإِسلَام، وهم الأَئمةُ الأَربعةُ الأَعلامُ: أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ، عليهم من اللهِ الرَّحمةُ الواسِعةُ والرِّضوانُ، فللهِ دَرُّهم، هم نُجومُ السَّماءِ، تُشيرُ إليهم بالأَكفِّ الأَصابعِ، وشُمُّ الأُنوفِ يَخضعُ إليهم كلُّ شامِخِ الأَنفِ رافِعٌ، حلَّقوا على سُورِ الإِسلامِ كسُوارِ المِعصمِ في اليدِ، زيَّنَ اللهُ الأَرضَ بمَواطئِ أَقدامِهم، فهم أَصحابُ الفضلِ على أَهلِ المَشارقِ والمَغاربِ؛ فقد ملَأَ عِلمُهم الآفاقَ، وأذعَنَ لهم أهلُ الخلافِ والوِفاقِ، فجَزاهُم اللهُ عن صَنيعِهم جَزاءً مَوفورًا، وجعَلَ عَملَهم
[ ١ / ٧ ]